وقال الرازي في مختار الصحاح: وعظ (( الوعظ ) ): النصح والتذكير بالعواقب . اهـ .
والوعظ في الاصطلاح: قال عنه العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ما نصه: تنبيه: فإن قيل يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر و النواهي كقوله هنا (( يعظكم لعلكم تذكرون ) )مع أنه ما ذكر إلا الأمر والنهي في قوله (( إن الله يأمر بالعدل _إلى قوله وينهى عن الفحشاء ) )وكقوله في سورة البقرة بعد أن ذكر أحكام الطلاق الرجعة (( ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ) )وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة رضي الله عنها (( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ) )مع أن المعروف عند الناس أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك لا بالأمر والنهي فالجواب: أن ضابط الوعظ هو الكلام الذي تلين له القلوب وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء: أوامر ربهم و نواهيه فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه فحداهم حادي الخوف إلى الامتثال فلانت قلوبهم للطاعة خوفًا و طمعًا )) ا هـ
قلت [القائل الشيخ سعود الشريم] : وبهذا يتضح غلط من قصر الوعظ على الترغيب أو الترهيب أو عليهما جميعًا وبه تبين كذلك أن كل ما أوصل إلى التذكر أو تصحيح الخطأ في كل شأن من شئون الناس الدينية أو الدنيوية ولذلك جاء الوعظ حتى في الأمر و النهي كما ذكر ذلك صاحب أضواء البيان آنفًا .... إلخ (15) .
قال الشيخ السعدي عليه رحمة الله:
في تفسير قوله تعالى { ذلكم توعظون به } { ذلكم } : أي الحكم الذي ذكرناه لكم {توعظون به } : أي يبين لكم حكمه مع الترهيب المقرون به لأن معنى الوعظ:ذكر الحكم مع الترغيب والترهيب .. (16)
قال ابن القيم عليه رحمة الله:
الموعظة الحسنة هي:- الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب (17) .
15-أمران يحتاجان إلى تنبيه: هناك أمران يلفتان انتباهي كثيرًا عند سماع خطب يوم الجمعة في أماكن متفرقة:-
الأمر الأول منهما: ما يفعلاه بغض الخطباء حين استشهادهم في خطبهم بعض الآيات حيث يقومون بترتيلها ولو كانت آيتين فأقل بل إن بعضهم لا يكاد يمر بآية إلا ويرتلها ومحط السؤال هنا هو أنني لم أجد حسب بحثي القاصر ما يدل على هذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم بل إنني وجدت أحاديث كثيرة يستشهد فيها النبي صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ولم يأت فيها ما يدل أنه كان يرتلها ومعلوم أن الترتيل إنما يكون عند التلاوة ويدل على ذلك قوله تعالى (( ورتل القرآن ترتيلًا ) ).... إلخ
وأما الأمر الثاني: فهو ما يلتزمه بعض الخطباء في خطبهم من التغاير اللافت عند الاستشهاد بالآيات كذلك حيث إن بعض الخطباء لا يزيد على قوله: قال الله تعالى ...الآية أو نحو ذلك ولكنه إذا جاء يختم الخطبة بآية قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ الآية ولا شك أن هذا لا وجه له لأمور:
أحدها:- أنه ليس قراءة والله يقول (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) )
وثانيها:- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك حسب الاستقراء في استشهاداته بالآيات
وثالثها:- أن مثل هؤلاء الخطباء يلتزم الاستعاذه في الآية الأخيرة دون ما يسبقها من الآيات ولاشك أن هذا مثار الإشكال والنقص . (18)
16-اقتراح في التجديد:-
من خلال استقرائي لجملة من الخطب العصرية لعدد من الخطباء على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم وأقاليمهم إلا أنني أجد اتفاقًا واضحًا في الاستدلال على المواضيع المطروحة بأحاديث مطروقة مبذولة بكثرة وليس هذا احتقارًا أو تقليلًا من شأنها كلا بل إنني أريد أن أصل إلى مرادي وهو التجديد في الأدلة لأننا ربما نجد أن الخطباء حينما يخطبون عن موضوع ما وليكن مثلًا بر الولدين أو صلة الرحم يتفقون على أحاديث معينة مع أن هناك أحاديث لا تقل عنها صحة ولا صراحة في الموضوع ومع ذلك يُغفل عنها .
ولعلي أُرجع السبب في ذلك إلى أن بعض الخطباء يقتبس من غيره أو أن يكون المرجع في مثل ذلك كتاب رياض الصالحين وهو كتاب عظيم لكنه لم يستوعب الأحاديث كلها والذي أُريد أن أصل إليه هو أن اختيار الأحاديث التي تخفى على كثير من الناس بسبب قلة طرحها يضيف إليهم جديدًا وهو معرفة الحديث والعمل به وفي هذا خير كبير للأمة وغاية ما يحتاج إليه الخطيب هو التنقيب في بطون كتب الحديث والخروج بمثل هذه الفوائد ... إلخ . (19)
17-الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر أو الأمر بها:
اشترط بعض أهل العلم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة وعدُّوها من أركان الخطبة وقالوا يتعين لفظ الصلاة .
قال ابن قدامة: ويحتمل أن لا يجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر في خطبته ذلك .