ولا يخفى أن من كليات الدين الجانب الإعتقادي ، والجانب السلوكي ، والجانب النفسي ، وحينما تحلُّ كلية من هذه الكليات محلَّ الدين كلّه ، فهذا غلو وأي غلو ... هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، فإن تضخيم الفرع في الدين ليحلَّ محلَّ الأصل غلوٌّ في الدين .. وأي غلو ؟.. فهل يُعقل أن يصبح الدين كله إتقانَ علمِ التجويد ليس غير..
والنوع الثاني من الغلو: الغلو العملي .. فحينما يقع الإنسان فريسة وساوسه المتسلطة في شأن طهارته ، ووضوئه ، وحينما يتجاوز في عبادته الحد الذي شرَّعه الله فيهمل عمله ويهمل أسرته ، وبهذا يختل توازنه ، ولا يحقق الهدف الأمثل من تدينه ...
ولا شك أن الغلو الاعتقادي هو الأخطر ، لأن صاحبه لا يرجع عنه ، إذ يعتقد أنه على صواب فهو لا يدري ولا يدري أنه لا يدري .
ولأنه المفترق الذي افترقت منه الفِرق، وبزغت عندها الأهواء ، واختلفت فيه العقول ، وتباعدت من أجله القلوب ، ثم سُلَّت السيوف ، وسالت الدماء . قال تعالى:
(( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ) (1)
أسباب الغلو
وأسباب الغلو كثيرة ، ومن أبرزها
1-الجهل
وهو: عدم معرفة حكم الله جلّ وعلا وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، فقد يكون المغالي معظمًا للحرمات ، غيورًا على دين الله، فإذا رأى إنسانًا متلبسًا بمعصية ، لم يطق ، أو لم يتصور أن هذا الشخص مسلم ، أو أن ذنبه يمكن أن يُغفر ، لذلك يتهمه بالكفر والخروج من الدين . وقد تكون له محبة لرجل صالح ، وأصل هذه المحبة مشروع في الدين ، لكن هذه المحبة زادت وطغت بسبب الجهل حتى وصلت إلى درجة الغلو الذي رفع هذا الإنسان فوق منزلته ؛ واتهم كل من لم يقره على هذا الغلو بالكفر والفسوق . وقد يكون الجهل جهلًا بالدليل لعدم معرفته أو الاطلاع عليه ، وقد يكون جهلًا بالاستنباط ، أو جهلًا بقواعد اللغة العربية .
والجهل أسهلُ أسبابِ الغلو معالجةً ، ولا سيما إذا كان المغالي بريئًا من الهوى ، والنزعات الشريرة ، فالجهل يزول بالعلم .. ففي عهد عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد ناظر الخوارج وحاورهم ، فرجع منهم ما يزيد عن ألفي إنسان في مجلس واحد .
2-الهوى ..
الذي يجر صاحبه إلى التعسف في التأويل ، وردّ النصوص ، وقد يكون الهوى لغرض دنيوي من طلب الرئاسة أو الشهرة أو نحوها ، وقد يكون المغالي بعيدًا عن هذه المطالب، ولكن البدعة والانحراف سبقا إلى عقله وقلبه ن واستقرا فيهما، وتعمَّقت جذورهما ، وترسخت ، وكما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى
... فصادف قلبًا فارغًا فتمكَّنا
وحينئذ يَعِزُّ على المغالي أن يتخلى من غلوه ، وأن يقرَّ على نفسه أنه كان متحمسًا للباطل ، مناوئًا للحق ، فيتشبث بباطله ويلتمس له الأدلة الضعيفة الواهية من هنا وهناك . لذلك قيل: تعلَّموا قبل أن ترأسوا ، فإن ترأستم فلن تعلموا .
3-نفسية مريضة معتلَّة منحرفة
تميل إلى الحدة والعنف ، والعسف في آرائها ومواقفها ، وتنظر دائمًا إلى الجانب السلبي والمظلم للآخرين .. وقد يتصف صاحبها بالعلو والفوقية ، من دون أن يشعر ذلك من نفسه ، فضلًا عن أن يعترف به. فإذا التقى الأشخاص أو قرأ كتبهم ، فليبحث عن نقاط ضعفهم ، مغفلًا النواحي الإيجابية التي يتمتعون بها ، وعندها تتبخَّر ثقته بالعلماء العاملين ، والدعاة المخلصين ، و يبتعد عنهم ويستقل بنفسه ورأيه ، فينتج عن هذا الشذوذ في الآراء والمواقف والتصورات .
4: غلو الطرف الآخر ..
فالذين يجرُّون المجتمعات الإسلامية إلى الفساد ، والانحلال الخلقي ، هم في الحقيقة من المتسببين في حدوث الغلو ، وإن أعلنوا الحرب عليه .. فمظاهر الرذيلة والانحلال في المدرسة والجامعة والشارع والشاطئ والمتجر والحديقة إذا أقرَّها المجتمع وسكت عنها ، أو شجعها ودعمها وحماها ، فإن هذا المجتمع عليه أن يستعد للتعامل مع أنماط كثيرة من الغلو .
وقبل أن نبحث عن الحلول الفعَّالة للقضاء على الغلو .. يجب أن نفرِّق بين غلو حقيقي وهو مجاوزة للحدِّ الشرعي ، وانحراف عن سواء السبيل ، وبين غلو موهوم في رأس أعداء الدين .. يوصف بالأصولية تارة ، وبالتطرف تارة أخرى .. وهو في حقيقته دعوةٌ خالصة إلى الله وإلى دينه ، وإلى تحكيم شريعته ، والعمل بالكتاب والسنّة .
علاج الغلو
"ولا سبيل إلى القضاء على الغلو الحقيقي في الدين .. إلا بتمكين العلماء الربانيين العاملين المخلصين من القيام بواجبهم في الدعوة إلى الله، وَفقَ أُسس صحيحة متوازنة ، ومن خلال رؤية صافية لحقيقة الدين الحنيف ، وبأساليب نابعة من الكتاب والسنّة" (2)
(1) -الاأنفال 46
(2) - تجديدالخطاب الديني -محمد راتب النابسي