كل هذا من أجل بناء شخصية المسلم بناءً ، تتمثل فيه صحة الجسد ، وطُهرُ النفس، ورجاحة العقل ، بناءً يوازن بين المادة والروح ، وبين الحاجات والقيم ، ويسعى إلى إصلاح الدنيا والآخرة .. بناءً يجعل المسلم إنسانًا متميزًا يرى ما لا يراه الآخرون ، ويشعر بما لا يشعرون ، يتمتع بوعي عميق ، وإدراك دقيق ، له قلبٌ كبير ، وعزم متين ، وإرادة صلبة.. هدفه أكبر من حاجاته ، ورسالته أسمى من رغباته ، يملك نفسه ولا تملكه ، يقود هواه ولا ينقاد له ، تحكمه القيم ويحتكم إليها من دون أن يسخرها أو يسخر منها ، سما حتى اشرأبَّت إليه الأعناق ، وصفا
حتى مالت إليه النفوس.
7-عدم الإطالة في الخطبة
فالخطيب الناجح لا يطيل في خطبته مراعاة لأحوال وظروف المستمعين، فيكون من بينهم المرضى وأصحاب الحاجات والمهمات، وأحيانًا طبيعة الجو تلعب دورًا أساسيًا في تحديد وقت الخطبة، فيجب على الخطيب مراعاة ذلك بصورة معتدلة.وقد اخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من مئنة فقه الرجل إطالة الصلاة وقصر الخطبة
ولا بد ان يعلم الخطيب أن فن الإيجاز والإطناب يختلف من حال إلى حال، بحسب حال السامعين في إقبالهم ومللهم، ونوع الموضوع، وظروف الإلقاء.
ويحسن من الخطيب أن يعوّد سامعيه على زمن معتدل ثابت يلتزمه، فإنهم إذا عرفوه بانضباطه ودقة التزامه أحبوه ولازموا حضوره.
وقد قرر علماء النفس أن الذاكرة القريبة هي بين /15-20 / دقيقة .
لذلك لابد للخطيب أن يتدارك هذا الاستعداد الذهني لدى المستمعين خلا هذه الدقائق الأولى فيزرع ما يريد زرعه ويستنبت ما يريد استنباته .
ومن الخير للخطيب وجمهوره أن ينفضوا وهم متعلقون به من غير ملل أو سآمة.
إن الخطيب الذي لا يصيغ خطابه ليتناسب مع روح العصر السائدة والمتميزة بالسرعة لن يكون موضع ترحيب، وفي بعض الأحيان، يثير كراهية الآخرين. لذلك كن مختصرًا.
عن أَبُي وَائِلٍ قال: خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (( إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا ) ) (1) .
قال النووي:-رحمه الله -:المراد بالحديث أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلًا يشق على المأمومين . انتهى كلام النووي -رحمه الله - وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر بن سمرة قال:كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا . قال النووي:أي بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق. أهـ إلخ
فالعجب كل العجب من بعض الخطباء الموصفين بالعلم . كيف يطيلون الخطبة حتى يتجاوز بعضهم ثلاثة أرباع الساعة أو أقل قليلًا ! ولربما قال الناس ليته سكت . ومن هنا يظهر الفقه الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث (2)
و كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُل: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَال: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ
بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا
و ذكر عن أحد شعوب أفريقيا البدائية أنه عندما يلقي الخطيب خطابًا طويلًا جدًا خلال اجتماع القرية، فإن الجمهور يسكته بالصراخ: كفى ! كفى !
ويقال أن قبيلة أخرى كانت تسمح للخطيب بالتحدث طالما يستطيع وهو مرتكز على ساقٍ واحدة. وعندما تلمس مقدمة ساقه الأخرى الأرض، يتوجب عليه التوقف عن الكلام.
8-إغتنام الفرص
الخطيب الناجح هو الذي يتصيد الفرص والاحداث ويقيسها بمقياس الشرع والفرصة لا بد ان تكون
1-مناسبة للمضمون المراد طرحه والواقع .
2-ان تكون على مستوى المصلين لا اعلى ولا ادنى
9 -التكرار وحسن البيان
وهو أحد الأسس التي يقّدم الخطيب من خلالها المضمون، ووظيفة هذا الأسلوب التوضيح وزيادة التأكيد فإن أدّاهافنعماهو >
وتنبع قيمة التكرار من اختلاف أشكاله وتنوعه فليس التكرار تردادا لجمل معينة حرفا بحرف وكلمة بكلمة فالنبي صلى الله عليه وسلم ظلّ يكرر مضمونا واحدا ثلاث عشرة سنة في مكة: (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) )
فهل كان طوال هذه السنوات يردد هذه الجملة فحسب؟الجواب لا
بقي أن نقول إن للتكرار آفة واحدة فقط وهي الملل، وينتفي الملل بالتنوع والغنى، كما قلنا.
(1) -رواه أحمد ومسلم
(2) - من وميض الحرم للشريم بتصرف