فهرس الكتاب
اسأل الله ان يقوي إيماننا وان يرفع درجاتنا أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
عباد الله
أيها المسلمون ما هي أفضل الصدقات:
أولًا: الصدقة الخفية؛
لأنَّها أقرب إلى الإخلاص من المعلنة وفي ذلك يقول - جل وعلا (( إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتؤْتُوهَا الفُقَرَاءِ فَهُوَ خَيرٌ لَّكُمْ ) )البقرة: 271
(فأخبر أنَّ إعطاءها للفقير في خفية خيرٌ للمنفق من إظهارها وإعلانها، وتأمَّل تقييده - تعالى - الإخفاء بإتيان الفقراء خاصة ولم يقل: وإن تخفوها فهو خيرٌ لكم، فإنَّ من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيشٍ، وبناء قنطرة، وإجراء نهر، أو غير ذلك، وأمَّا إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد، والستر عليه، وعدم تخجيله بين النَّاس وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى، وأنَّه لا شيء له، فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدرٌ زائدٌ من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة، وطلبهم المحمدة من الناس. وكان إخفاؤها للفقير خيرًا من إظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبي صدقة السَّر، وأثنى على فاعلها، وأخبر أنَّه أحد السبعة الذين هم في ظلِّ عرش الرحمن يوم القيامة، ولهذا جعله - سبحانه - خيرًا للمنفق وأخبر أنَّه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته
[طريق الهجرتين] .
ثانيًا: الصدقةُ في حال الصحة والقوة أفضل من الوصية بعد الموت أو حال المرض والاحتضار
كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيحُ، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان كذا) في الصحيحين.
ثالثا: بذل الإنسان ما يستطيعه ويطيقه مع القلة والحاجة؛ لقوله: صلى الله عليه وسلم (افضل الصدقة جهد المُقل، وابدأ بمن تعول) رواه أبو داود، وقال (سبق درهم مائة ألف درهم) قالوا: وكيف؟! قال: (كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها) رواه النسائي، صحيح الجامع،
رابعا: الإنفاق على الأولاد كما في قوله: صلى الله عليه وسلم ((الرجل إذا أنفق النفقة على أهله يحتسبها كانت له صدقة) في الصحيحين، وقوله: صلى الله عليه وسلم (أربعة دنانير: دينار أعطيته مسكينًا، ودينار أعطيته في رقبةٍ، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك) رواه مسلم.
اخامسا: الصدقة على القريب، كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّبٍ. قال أنس: (فلما أنزلت هذه الآية( لَن تَنَالُواْ البِر حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)
آل عمران: 92. قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إنَّ الله يقول في كتابه لَن تَنَالُواْ البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله: بخ بخ مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيها، إني أرى أن تجعلها في الأقربين). فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول، فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه في الصحيحين
وقال: صلى الله عليه وسلم (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) رواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة و قال - صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) رواه أحمد وأبو داود والترمذي صحيح الجامع وهو القريب الذي يضمر العداوة ويخفيها؛
سادسا: الصَّدقة على الجار؛ فقد أوصى به الله - سبحانه وتعالى- بقوله
(( وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ ) )النساء: 36
وأوصى النبي أبا ذر بقوله: (وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، واغرف لجيرانك منها) رواه مسلم.
سابعا: النفقة في الجهاد في سبيل الله سواء كان جهادًا للكفار أو المنافقين، فإنه من أعظم ما بُذلت فيه الأموال؛ فإن الله أمر بذلك في غير ما موضع من كتابه، وقدَّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في أكثر الآيات ومن ذلك قوله - سبحانه: (( انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ بِأَموَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) )التوبة: 41،