فهرس الكتاب
وعن أبي هريرة أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء، فأعطاه شيئًا، ثم قال: «أحْسَنْتُ إلَيْكَ؟» .
قال: لا، ولا أَجْمَلت.
قال: فغضب المسلمون وقاموا إليه.
فأشار إليهم: أن كفُّوا. ثم قام فدخل منزله ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت (فزاده شيئًا) فرضي فقال: «إنَّكَ جِئْتَنَا فَسَأَلْتَنَا فَأَعْطَيْنَاكَ وقُلْتَ مَا قُلْتَ، وفِي أنْفُسِ المُسْلِمِينَ شَيءٌ مِن ذَلكَ، فَإنْ أحْبَبْتَ فَقُلْ بَيْن أيْدِيهِم مَا قُلتَ بَينَ يَدَيَّ، حَتَّى يَذْهَبَ منْ صُدُورِهِم مَا فِيْهَا عَلَيكَ» .
قال: نعم.
فلما كان الغداة أو العشي جاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ صَاحِبَكُم هذا كَانَ جَائِعًا، فَسَأَلَنَا فَأَعْطَيْنَاه، قَالَ مَا قَالَ، وإنَّا دَعَوْنَاه إلى البَيْتِ فأعْطَيْنَاه، فَزَعَمَ أنَّه قَدْ رَضِيَ، أكَذاكَ؟» .
قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وغشيرة خيرًا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إنَّ مَثَلي ومَثَلَ هذا الأعْرَابِيَّ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ لَه نَاقَةٌ فَشَرَدَتْ عَلَيه، فاتَّبَعَها النَّاسُ فَلَم يَزيْدُوهَا إلا نُفُورًا، فَنَاداهُم صَاحِبُ النَّاقَةِ: خَلُّوا بَيْنِي وبَينَ نَاقَتِي فَأَنا أرْفَقُ بِهَا. فَتَوَجَّه لَهَا صَاحِبُ النَّاقَةِ بينَ يَدَيْهَا فأَخَذَ لَهَا مِنْ قُمَامِ الأرْضِ، فَجَاءَتْ فاسْتَنَاخَتْ، فَشَدَّ عَلَيها رَحْلَها واسْتَوَى عَلَيها، وإنِّي لَوْ تَرَكْتُكُم حِينَ قَالَ الرَّجُلُ ما قَالَ، فَقَتَلْتُمُوه دَخَلَ النَّارَ» .
وعن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أُحد؟
فقال: «لَقَدْ لَقِيْتُ مِن قَوْمِكِ، وكَانَ أشَدَّ مَا لَقِيْتُ مِنْهُم يَوْمَ العَقَبَةِ، إذ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى بَنِي عَبْدِ كُلاَل فَلَمْ تُجِبْنِي إلَى مَا أرَدْتُ.
فانْطَلَقْتُ وأَنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلاَ بِقرْن الثَّعَالِب، فَرَفَعْتُ رَأسِي فَإذَا أنَا بِسَحَابَةٍ قَد أظَلَّتْنِي،. فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبْرِيْلُ، فَنَادَانِي: إنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا ردُّوا عَلَيكَ، وقَدْ بَعَثَ إليكَ مَلَكَ الجِبَالِ لتَأمُرَه بِمَا شِئْتَ فِيهِم»
«فَنَاداني مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَ قَال: (إنَّ اللَّهَ عزَّ وجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وأنا مَلَكُ الجِبَالِ، وقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إلَيكَ لتَأمُرَنِي بَأَمْرِكَ) يَا مُحَمَّدُ فَمَا شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيهم الأخْشَبَيْنِ» .
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلاَبِهِم مَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَه وَلاَ يُشْرِكَ بِه شَيْئًا» .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
أيها المسلمون
ومن خلقه صلى الله عليه وسلم التواضع: حين يكون لبعض منزلة عند الناس فهو عرضة لأن يدخل في قلبه شيء من الكبر ، وقد يرى أن هذا من تمام المحافظة على هذه المنزلة التي اكتسبها عند الناس ألا يتواضع لهم، وأي رجل أحق بالتقدير والتوقير والاحترام منه ر ومع ذلك كيف كان شأنه وتواضعه صلى الله عليه وسلم ؟
كان كما حكى عنه عبد الله بن أوفى رضي الله عنه فيما رواه النسائي والدارمي يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما.
ومن صلى الله عليه وسلم من خلقه الحياء: ويكفي في ذلك شهادة الله بقوله عز وجل (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحي من الحق) .ويقول أبو سعيد الخدري رضي الله فيما رواه الشيخان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه.
ومن خلقه صلى الله عليه وسلم العفو والتنازل عن حقه: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل.