فهرس الكتاب
وممّا يؤسَف أننا نرى بعضُ المسلمين بالاسم ؛ إمّا مِن طريق السّخريَة والهَزل، أو من طريق الجِدِّ والعياذ بالله، يقعون في الاستهزاء بالله، في الاستهزاء بسنّة رسول الله، في السُّخرية بأهلِ الإيمان، في الاستهزاء بشرع الله، بأوامر الله ونواهي الله. فترى بعضَهم ـ والعياذ بالله ـ يتفوّه بألفاظٍ قبيحة، فيها سخرية بالخالِق جلّ وعلا، فيها انتقاصٌ لربّ الأرباب، ويتكلّم بكلماتٍ فيها سُخرية بمحمّد صلى الله عليه وسلم ، وفيها استهزاء بسنّته، واستهزاء بالمتَّبعين والمقتفين أثرَه. وتراه أحيانًا يسْخر بأوامرِ الإسلام ونواهِي الإسلام، ويستهزئ بها، ويسخَر بها، ولا يقيم لها وزنًا. ذا يدلّ على نفاقٍ في القلب، على مرضٍ في القلب؛ إذ لو كان مؤمنًا حقًّا لقدر الله حقَّ قدره، قال تعالى في حقّ أولئك: (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الأنعام:91] ، فالذي يقدر الله حقّ قدرِه هو المؤمِن به، المعظِّم لأوامِره ونواهيه، هو الذي يديم ذكرَ الله والثناءَ على الله وتنزيهَ الله عمّا لا يليق به مِن العيوب والنّقائص. والمؤمن حقًّا يُعظِّم رسولَ الله، يعظّم سنّته، يعظّم أوامرَه ونواهيَه، يعظِّم أهلَ الإيمان، ويوالي أهلَ الإيمان، يعظّم هذه الشريعة، ويعمَل بها، ويعتقِد كمالَها وشمولها.
أن المؤمن يعظّم سنّةَ محمّد صلى الله عليه وسلم، يعتقِد كمالَها، وأنّ محمّدًا صلى الله عليه وسلم لا يقول إلاّ حقًّا، ولا ينطِق إلاّ بالحقّ، قال الله جلّ وعلا: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى) [النجم:3، 4] ،
سمعنا لا زلنا نسمع من يقول دعوا السنة جانبا فقد عبث فيها العابثون واصبحت غير صحيحة عليكم بالقرآن فقط
أين هؤلاء من قول الله جل وعلا
: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء:80] ، وقال جلّ جلاله: (وَمَا ءاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحَشر:7] .
فسنّته صلى الله عليه وسلم وحيٌ أوحاها الله إليه، إذًا فتعظيمُ سنّته من تعظيم الله، ومحبّة سنّته من محبّة الله، طاعتُه طاعةٌ لله، والسنة محفوظة بحفظ الله جل وعلا .
جلس عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في المسجد، يعلمهم، ويربيهم، ويزكيهم، وانطلق شاب صغير مُلئ حكمة وإيمانًا، اسمه عمير بن سعد، ودخل على عمه، وهو شيخ كبير في الستين من عمره، ولكن النفاق في قلبه كالجبال، يصلي مع الناس في المسجد، ويصوم ويعتمر، ولكنه مكذب بالرسالة والرسول.
فقال عمير بن سعد: يا عماه، سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام، يخبرنا عن الساعة حتى كأني أراها رأي العين، فقال الجُلاس بن سويد وهو عمه: يا عمير، والله إن كان محمد صادقًا، فنحن شر من الحمير، فانتقع وجه عمير بن سعد، واهتز جسمه، وانتفض كيانه، وقال: يا عم، والله إنك كنت من أحب الناس إلى قلبي، والله لقد أصبحت الآن أبغضهم إلى قلبي جميعًا.
يا عم، أنا بين اثنتين؛ إما أن أخون الله ورسوله، فلا أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام بما قلت، وإما أن أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام وليكن ما يكون.
ولكن ما معنى كلمة الجُلاس هذه؟ معناها: الكفر بلا إله إلا الله، وعدم تصديق الرسول ص والاعتراض عليه.
قال الجُلاس بن سويد: أنت طفلٌ غرٌ لا يصدقك الناس، فقل ما شئت، فذهب عمير، وجلس أمام الرسول، عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، الجُلاس بن سويد، خان الله ورسوله، وهو عمي، وقد تبرأت إلى الله ثم إليك منه. قال الرسول، عليه الصلاة والسلام: وماذا قال؟ قال عمير: قال: لو كان محمد صادقًا، لنحن شر من الحمير!!.
فجمع الرسول عليه الصلاة والسلام الصحابة، واستشارهم في هذا الأمر، فقالوا: يا رسول الله، هذا طفل صغير لا تصدقه، فهو لا يعي ما يقول، والجُلاس بن سويد يصلي معنا، وهو شيخ كبير، وعاقل، فسكت عليه الصلاة والسلام، ولم يصدق هذا الغلام.
وسالت دموع هذا الغلام، وانتفض جسمه، والتفت إلى السماء، حيث القدرة، حيث علم الغيب، توجه إلى الذي يعلم السرّ وأخفى ثم قال: اللهم إن كنت صادقًا فصدقني، وإن كنت - يا رب - كاذبًا فكذبني، فوالله ما غادر مجلسه، ولا قام من المسجد، إلا وجبريل ينزل بتصديقه من فوق سبع سماوات، (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا) [التوبة:74
ماذا يُستفاد من هذه القصة؟ ومن هذا السرد؟ يُستفاد أن هناك معسكرًا يسير مع الصالحين، ويصلي مع الصالحين، ويصوم مع الصالحين، وهو في الحقيقة مكذب بالله ورسوله.
وظيفة هذا المعسكر الولوغ في أعراض الصالحين من العلماء والدعاة، كما تلغ الكلاب في الماء.