الصفحة 29 من 733

5 ... 4 ... 3 ... 2 ... 1 ... 9- إقناع المستمعين

5 ... 4 ... 3 ... 2 ... 1 ... 10- الأداء العام

2-إياك والعجب

قد يبدأ الخطيب مشوار الخطابة بداية متواضعة يحقر فيها نفسه ولكن ما أن تقف قدماه على منبر الخطباء النجباء الذين يملكون قلوب الناس قبل أسماعهم إلا وتبقى نفسه عرضة للانزلاق في مهاوي العجب الذي يحمله على الإعجاب برأيه دون غيره فيقع فريسة للأخطاء ومجانبة الصواب لاسيما في الأمور المعضلة والنبي صلى الله عليه وسلم ذم هذه الصفة بقوله: (( إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوًا متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ) ) (1)

و أحسن ما يداوي المعجب بنفسه نفسه هو أن ينظر إلى من فوقه علمًا وتواضعًا من سلفنا الصالح وعلمائنا الكرام (( نرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) ) (2) .

قال الشاعر: من شاء عيشًا هنيًا يستفد به

في دينه ثم في دنياه إقبالا

فلينظرن إلى من فوقه أدبًا

ولينظرن إلى من دونه مالا

3-إنتبه لمداخل الشيطان

ينبغي للخطيب أن ينتبه لناحية مهمة تعد مدخلًا واسعًا من مداخل الشيطان لا سيما إذا كان الخطيب ممن يتجمهر حوله الناس ويكثر محبوه وهذا الأمر المهم هو إرضاء الناس فالخطيب المشهور تعتريه غالبا حالتان إما أن يرضي جمهوره بخطبة فيها تشنج وقوة نقد دون روية أو تسييس أو يرضي طرفًا آخر غير الجمهور وكلا الأمرين خطأ فادح ولا أدل على خطأ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ومن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضا عنه الناس ) ) (3)

هذا إن أرضاهم بأمر خاطيء ، أما إذا أرضى أحد الطرفين بأمر صواب وهو يقصد إرضاءهم بذلك فهو من باب الرياء وهو الشرك الخفي.

4-راجع عيوب الخطبة

أولا: عيوب في أصل الخطبة (4)

وهي عيوب تكون في معنى الخطبة أو مبناها، ومنها:

1 ـ خلوّها من التشهد والثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:

قال صلى الله عليه وسلم: (( كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ) ) (5) ، أي كاليد المقطوعة أو المصابة بالجذام.

قال المناوي ـ نقلًا عن ابن العربي ـ:"أراد بالتشهد هنا الشهادتين، من إطلاق الجزء على الكل كما في التحيات"، ثم نقل عن القاضي قوله:"أصل التشهد الإتيان بكلمة الشهادة، وسمي التشهد تشهدًا لتضمنه إياهما ثم اتسع فيه فاستعمل في الثناء على الله تعالى والحمد له" (6) .

وقد كانت العرب تذم الخطبة إذا لم يكن في أولها حمد لله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد خطب الفضل بن عيسى الرقاشي إلى قوم من بني تميم، فخطب لنفسه، فلما فرغ قام أعرابي منهم فقال:"توسلْتَ برحمة، وأدليت بحق، واستندت إلى خير، ودعوت إلى سنة، ففرضك مقبول، وما سألتَ مبذول، وحاجتك مقضية إن شاء الله تعالى"، قال الفضل:"لو كان الأعرابي حمد الله في أول كلامه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم لفضحني يومئذ"أي لبلاغته وفصاحته (7) .

وقد كان خطباء السلف الطيب وأهل البيان من التابعين بإحسان، يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد وتستفتح بالتمجيد:"البتراء"، ويسمون التي لم توشَّح بالقرآن وتزين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:"الشوهاء" (8) .

2 ـ الطول الممل والقصر المخل:

إن المقصود من الخطبة هو إفهام المخاطبين وإقناعهم بمضمون الكلام الموجه إليهم، فكل ما يحول دون ذلك عيب يجب اجتنابه، وأعظم ذلك الإطالة التي هي أدعى لسقطات اللسان، وتبعث الملل والسآمة في الإنسان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا ) ) (9) .

وقوله: (( مئنة من فقهه ) )أي علامة على فقهه ودليل عليه.

قال بعض الأدباء:"للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن قدر الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل، وهو الإسهاب الذي سمعتَ الحكماء يعيبونه" (10) .

لكن ينبغي للخطيب وهو يراعي مجانبة هذا العيب أن يجانب أيضًا الوقوع في ضدّه وهو القِصر المخلّ، وخير الأمور الوسط، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:"كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا" (11) .

(1) - رواه أبو داود والترمذي وحسنه

(2) - يوسف76

(3) -رواه الترمذي عن عا-ئشة"2388-"

(4) - موقع المنبر الصفحة الرئيسية

(5) - أخرجه أبو داود [4841] ، والترمذي [1106] من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح غريب". ورمز السيوطي لصحته، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة [169] .

(6) - فيض القدير (5/18) .

(7) - البيان والتبيين (4/73) .

(8) - البيان والتبيين (2/6) .

(9) - أخرجه مسلم (2/594) [869] من حديث عمار رضي الله عنه

(10) - البيان والتبيين (1/99) .

(11) - أخرجه مسلم (2/590) [866] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت