ويندُّ عن الذم ما يقتضيه الحال والمقام من طول أو قصر، ومما مدحوا به الطول والإيجاز إذا وقعا موقعهما قول داود بن حريز الإيادي:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحيَ الملاحظ خيفة الرقباء
3 ـ خلوها من نصوص الكتاب والسنة:
وقد عد بعض الفقهاء من أركان الخطبة ذكر آية من كتاب الله تعالى، فلا يحسن بالخطيب أن يخلي خطبته من القرآن الكريم، وكذا من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار، والرقة وسلس الموقع.
وقد كانت العرب تعيب ذلك فقال بعضهم في خطيب مصقع:"هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن".
وكان صلى الله عليه وسلم يعظ في خطبه بالقرآن الكريم، فعن صفوان بن يعلى عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: (ونادوا يا مالك) (1) ، بل ربما قرأ سورة بأكملها، فعن أخت لعمرة قالت: أخذت (ق والقرآن المجيد) من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة.
4 ـ كثرة الشعر فيها:
وقد يصل الحد ببعض الخطباء إلى أن يُنزل الشعر منزلة الكتاب والسنة، فيستدل به كما يستدل بالكتاب والسنة، بل بعضهم قد لا يستدل إلا به، وهذا عيب كبير وطريق إلى تقرير الباطل إذا كان ذلك الشعر مشتمل على باطل.
قال الجاحظ:"وأكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء من الشعر" (2) .
على أن الاستشهاد بالشعر الذي له وقع في النفس، ويؤيد المعنى الذي نسج له الكلام لا بأس به إذا كان بقدر وناسب المقام، وقد كان بعض خطباء العرب تفعله.
5 ـ اشتمالها على ألفاظ منكرة شرعًا أو عرفًا:
مثال الألفاظ المنكرة شرعًا أن يقول:"ما شاء الله وشاء فلان"، أو يقول:"من أطاع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما"، أو يقسم بغير الله تعالى أو غير ذلك من الألفاظ المنهية.
عن عدي بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ) ) (3) .
والمراد بالألفاظ المنكرة عرفًا ما اتفقت طباع القوم على استقباحه واستهجانه، فعلى الخطيب أن يتجنبه وأن يعدل عنه إلى بديل يعرفه القوم ولا ينكرونه، وهذا يختلف باختلاف البقاع والأصقاع، فربّ لفظ حسن شريف عند قوم قبيح هجين عند آخرين، وعليه يلزم من أراد أن يخطب في قوم أن يعرف لسانهم وعاداتهم وأعرافهم حتى لا يقع فيما يصدهم عنه ويسقطه في أعينهم.
6 ـ اشتمالها على باطل:
وهذا من أخطر العيوب وأشدها ضررًا على الناس، وبخاصة إذا كان الخطيب مصقعًا مفوهًا،فيتوصل بحسن كلامه وتنميق عباراته إلى تقرير باطل كعقيدة فاسدة، أو بدعة محدثة، أو معاملة محرمة، أو معصية لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
7 ـ اشتمالها على أحاديث ضعيفة أو موضوعة:
وهذا العيب قلّما يسلم منه خطيب في العالم الإسلامي، وذلك لعدم التحرّي والتثبت من صحة الحديث، ويخشى على من وقع في مثل هذا أن يتناوله الوعيد الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:
(( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) ) (4) ،
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع ) ) (5) .
ويشتد هذا العيب ويتفاقم إذا كان موضوع الخطبة كله مبنيًا على حديث ضعيف أو موضوع، كمن يخطب في قصة ثعلبة بن حاطب ويستخرج منها العبر والعظات، وهي غير ثابتة، أو يخطب في قصة الغرانيق وهي أيضًا لا تثبت.
8 ـ طغيان الأسلوب العلمي على الأسلوب الأدبي:
من مظاهر هذا العيب أن يستعمل الخطيب مصطلحات علمية دقيقة لا يدركها عامة الناس.
ومن مظاهره أيضًا التوسع في تخريج الأحاديث وعزوها والكلام على طرقها وعللها.
ومن مظاهره أيضًا خلو الخطبة من الأساليب الإنشائية كالأمر والنهي والاستفهام والتعجب والدعاء وغير ذلك، مما يخرجها من حد الخطابة إلى حد المقالة.
9 ـ عدم إيفاء الموضوع حقه:
وذلك بأن لا يتناول جميع عناصره، أو أن يستطرد ويفرع حتى يخرج عن الموضوع الذي يخطب من أجله، أو أن يشتت الموضوع ويبعثر الأفكار ولا يربط بينها.
10 ـ خلوها من الإرشاد والتوجيه الفوري:
وذلك بأن يغض الطرف عمن يتخطى رقاب الناس، فلا ينهاه عن ذلك، ويسكت عمن جلس دون أن يركع ركعتين فلا يأمره بهما، ويحصل بين يديه منكر فلا ينهى عنه.
11 ـ اشتمالها على ألفاظ ثابتة لا تتغير، يفتتح بها ويختم بها وكأنها سنة ماضية:
(1) - أخرجه مسلم (2/594 ـ 595) [871] .
(2) - البيان والتبيين (1/118) .
(3) - أخرجه مسلم (2/594) [870] .
(4) - أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما.
(5) - أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.