الصفحة 576 من 733

وأجيب: بأنهما شاذتان؛ لمخالفتهما سائر الروايات في الصحيحين وغيرهما (1) .

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول؛ لقوة أدلتهم، وضعف أدلة المخالفين من حيث الدلالة، وبعضها من حيث الثبوت أيضا، ولأنه أحوط، خاصة بالنسبة للنساء فإنهن قد يصلين عند سماع الأذان، فتكون صلاتهن قبل دخول وقت الظهر، لكن إن فُعِلت في بعض الأحيان في الساعة الخامسة أو السادسة فلا بأس، وخاصة عند الحاجة لما استدل به أصحاب القول الثالث.

فبناءً على ذلك لا تجزئ الخطبة عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والإمام أحمد في رواية، وابن حزم إلا بعد الزوال، فإن خطب قبله أو ابتدأ الخطبة لم تجزئ ولو كانت الصلاة بعده، وتجزئ على المشهور عند الحنابلة ولو كانت في أول النهار بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وتجزئ على الرواية الثالثة عن الإمام أحمد إذا كانت في آخر الضحى في الساعة السادسة، وقد ذكرتُ الراجح في ذلك - والله أعلم -.

المبحث الرابع

تقديمها على الصلاة

ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى أن تقديم الخطبة على الصلاة شرط من شروط صحتها، وأنها لو أخِّرت عن الصلاة فإنها لا تصح.

فقد قال بذلك الحنفية (2) والمالكية (3) والشافعية (4) والحنابلة (5) . قال في الإنصاف مبينا عدم الخلاف في ذلك عند الحنابلة:"ويشترط تقدمهما [يعني الخطبتين ] على الصلاة بلا نزاع" (6) .

بل قال في مغني المحتاج:"... بالإجماع إلا من شدَّ" (7) .

الأدلة:

استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.

أولا: من السنة:

حديث مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

{ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } (8) (9) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بالصلاة كما كان يصلي، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يخطب قبل الصلاة، فيجب أن نفعل كفعله اقتداءً به (10) .

قال في المجموع:"وثبتت صلاته - صلى الله عليه وسلم - بعد خطبتين" (11) .

ثانيا: من المعقول:

1-أن الخطبة شرط لصحة الجمعة، والشرط لا يتأخر عن المشروط له، بل يشترط أن يكون سابقا عليه (12) .

لكن هذا لا يلزم في كل الأحوال، فقد يكون الشرط مصاحبا للمشروط.

2-أن الجمعة فريضة تؤدى جماعة، فأُخِّرت فيها الصلاة عن الخطبة ليدركها المتأخر (13) .

المبحث الخامس

القيام

اختلف الفقهاء في اشتراط القيام للخطيب حال الخطبة، وذلك على ثلاثة أقوال: -

القول الأول: أن قيام الخطيب حال الخطبة شرط مع القدرة عليه وهذا هو القول الصحيح والمشهور عند الشافعية (14) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (15) .

قال في الجامع لأحكام القرآن:"وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء" (16) .

(1) ينظر: المجموع 4/539.

(2) ينظر: المبسوط 2/36 ، وبدائع الصنائع 1/262 ، ومجمع الأنهر 1/166 ، والهداية للمرغيناني 1/83 ، والفتاوى الهندية 1/146.

(3) ينظر: المدونة 1/156 ، والفواكه الدواني 1/306 ، والشرح الصغير 1/178.

(4) ينظر: الوجيز 1/64 ، وحلية العلماء 2/276 ، والمجموع 4/514 ، وروضة الطالبين 2/26 ، ومغني المحتاج 1/285.

(5) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/52 ، وشرح الزركشي 2/180 ، والنكت بهامش المحرر 1/147 ، والإنصاف 2/389 ، والمبدع 2/157 ، وكشاف القناع 2/31.

(6) الإنصاف 2/389.

(7) مغني المحتاج 1/285.

(8) البخاري الأذان (605) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (674) ، الترمذي الصلاة (205) ، النسائي الأذان (635) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (979) ، أحمد (5/53) ، الدارمي الصلاة (1253) .

(9) سبق تخريجه ص (32) ، وممن صرح بالاستدلال به على هذه المسألة الشربيني في مغني المحتاج 1/285.

(10) وممن استدل بفعله على لك: السرخسي في المبسوط 2/36 ، والكاساني في بدائع الصنائع 1/262 ، والنووي في المجموع 4/514 ، والشربيني في مغني المحتاج 1/285 ، والزركشي في شرح الخرقي 2/180 ، وبرهان الدين ابن مفلح في المبدع 2/157 ، والبهوتي في كشاف القناع 2/31.

(11) المجموع 4/514.

(12) ينظر: بدائع الصنائع 1/262 ، ومجمع الأنهر 1/166 ، والمجموع 4/513 - 514 ، ومغني المحتاج 1/285 ، والمبدع 2/157 ، وكشاف القناع 2/31.

(13) ينظر: المجموع 4/514 ، ومغني المحتاج 1/285 ، والمبدع 2/157 ، وكشاف القناع 2/31.

(14) ينظر: الوجيز 1/64 ، وحلية العلماء 2/276 ، والمهذب والمجموع معه 4/514 ، وروضة الطالبين 2/26 ، ومغني المحتاج 1/287.

(15) ينظر في: شرح الزركشي 2/174 ، والمغني 3/171، والفروع 2/119، والإنصاف 2/397 ، والمبدع 2/163.

(16) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت