فهرس الكتاب
1-ما روي أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - وقد امتروا (1) في المنبر مِمَّ عُوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: { والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيتُهُ أول يوم وضِعَ، وأول يوم جلس عليه رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -؛ أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - مُرِي غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة (2) ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بها فوُضِعتْ هاهنا، ثم رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عليها، وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى (3) فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعتُ هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي } (4) .
الشاهد من الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - { أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس } (5) .
والحديث واضح الدلالة حسب قولهم.
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه يحتمل أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين (6) .
2 -ما رواه أبو سعيد الخدري (7) - رضي الله عنه - قال: { إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله } (8) الحديث (9) .
وهذا الحديث واضح الدلالة حسب قولهم.
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن هذا في غير خطبة الجمعة، فلا دليل فيه (10) .
ثانيا: من آثار الصحابة:
1-ما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه كان يخطب قاعدا (11) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن المشهور عنه - رضي الله عنه - القيام حال الخطبة كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول وغيرها، وإنما فعل ذلك لعارض حيث كان يصيبه رعدة لكبر سنه، ولم يثبت عنه أيضا أنه كان يخطب عند جلوسه في هذه الرعدة كما في بعض الآثار (12) . 2 - ما روي عن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - أنه كان يخطب وهو قاعد (13) .
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن جلوسه كان لعذر، فقد روي عنه أنه خطب جالسا لما كثر شحم بطنه ولحمه (14) (15) .
وقد أورد في فتح الباري وجه الاحتجاج بهذين الأثرين وأجاب عنه حيث قال:"وأما من احتجَّ بأنه لو كان شرطا ما صلى من أنكر ذلك مع القاعدة، فجوابه: أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد قعد باجتهاد كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعود ثم إنه صلى خلفه فأتم معه، واعتذر بأن الخلاف شر" (16) .
رابعا: من المعقول:
1 -أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرطه القيام، قياسا على الأذان، والإقامة (17) .
(1) قال ابن حجر: من المماراة ، وهي المجادلة. (ينظر: فتح الباري 2/397) .
(2) قال ابن حجر:"في رواية سفيان عن أبي حازم"من أثل الغابة"ولا مغايرة بينهما فإن الأثل هو الطرفاء ، وقيل يشبه الطرفاء ، وهو أعظم منه ، والغابة - بالمعجمة وتخفيف الموحدة - موضع من عوالي المدينة جهة الشام ، وأصلها كل شجر ملتف. (ينظر: فتح الباري 2/399) ."
(3) قال ابن حجر:"القهقرى - بالقصر - المشي إلى الخلف". (ينظر: فتح الباري 2/400) .
(4) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الخطبة على المنبر 1/220.
(5) البخاري الجمعة (875) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (544) ، النسائي المساجد (739) ، أبو داود الصلاة (1080) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1416) ، أحمد (5/339) .
(6) ينظر: فتح الباري 2/401.
(7) هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري ، الخزرجي ، الخدري ، مشهور بكنيته أبي سعيد ، استصغره النبي يوم أحد فرده ، وشهد ما بعدها ، وكان من حفاظ حديث رسول الله المكثرين ، توفي سنة 64هـ ، وقيل غير ذلك. (ينظر: أسد الغابة 5/211 ، والإصابة 3/85) .
(8) البخاري الجمعة (880) ، مسلم الزكاة (1052) ، النسائي الزكاة (2581) ، ابن ماجه الفتن (3995) ، أحمد (3/21) .
(9) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب يستقبل الإمام القوم. 1/221 ، وفي كتب أخر مطولا.
(10) ينظر: فتح الباري 2/401.
(11) هكذا استدل به السرخسي في المبسوط 2/26 ، والكاساني في بدائع الصنائع 1/263 ، وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب الخطبة قائما 3/188 ، 189 ، الأثر رقم (5262) ، ورقم (5266) بأن ذلك حينما كبر وأصبح تصيبه رعدة بسبب ذلك.
(12) تقدم تخريجها ص (80) .
(13) تقدم تخريجه عن طاوس ص (80) .
(14) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما 2/113.
(15) ينظر: فتح الباري 2/401.
(16) ينظر: المرجع السابق.
(17) ينظر رؤوس المسائل الخلافية للعكبري 1/329 ، والمبدع 2/162 ، وكشاف القناع 2/36.