الصفحة 594 من 733

3-ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: { قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ (1) الناس للسجود، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل فسجد فسجدوا } (2) .

وهذا - أيضا - واضح الدلالة.

4-ما رواه صفوان (3) بن يعلى عن أبيه { أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ: } - (- صلى الله عليه وسلم -- رضي الله عنهم - - - - رضي الله عنه - الله أكبر - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - ( - ( - (- رضي الله عنهم - - (- رضي الله عنه - - ....(4) (5) .

وهذا - أيضا - واضح الدلالة، قال النووي:"فيه القراءة في الخط (6) ة" (7) .

مناقشة هذه الأدلة: تناقش بأنها مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، وأن لفظ (كان...) لا يدل على المداومة، وإن دلَّ عليها فإنها لا تدل على الوجوب كما.

ثانيا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم:

ما رواه ربيعة (8) بن عبد الله بن الهدير أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال:"يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه"، ولم يسجد عمر - رضي الله عنه - (9) .

وهذا واضح الدلالة.

مناقشة هذا الدليل: يناقش بما سبق من مناقشة الأحاديث من أنه مجرد فعل، فلا يدل على الوجوب.

ثالثا: من المعقول:

أن الخطبة فرض في الجمعة، فتجب فيها قراءة القرآن، كالصلاة (10) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فلا يشترط في الخطبة ما يشترط في الصلاة من استقبال القبلة وغيرها، إلا أنه تجوز فيها مخاطبة الإمام للمأمومين، ومخاطبتهم له عند الحاجة كما سيأتي - إن شاء الله - في موضعه.

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية قراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة؛ لعدم ورود ما يدل على الركنية، وإنما الوارد هو مجرد الفعل، والفعل المجرد كما ذكرت يدل على الاستحباب.

المطلب الثاني

أقل مقدار للقراءة

اختلف الفقهاء - سواء من قال بالسنية أو الركنية - في أقل مقدار من القرآن يقرأ في خطبة الجمعة، وذلك على أربعة أقوال:

القول الأول: يجزئ ما دون آية إذا استقل بمعنى، ولا يجزئ ما لا يستقل ولو كان آية كاملة.

وبهذا قال بعض الحنابلة (11) .

القول الثاني: أقله آية، سواء كانت طويلة أو قصيرة.

(1) التشزن: هو التأهب والتهيؤ للشيء ، والاستعداد له. (ينظر: النهاية ، مادة"شزن"2/471) .

(2) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - أبواب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله - باب السجود في (ص) 2/59 - 60 ، الحديث رقم (1410) وسكت عنه ، والدارقطني في كتاب الصلاة - باب سجود القرآن 1/408 ، الحديث رقم (7) ، والبيهقي في كتاب الصلاة - باب سجدة (ص) 2/318 وقال: هذا حسن الإسناد صحيح"، والحاكم في كتاب الجمعة 1/284 - 285 ، وقال:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال النووي في المجموع 4/518:"صحيح ، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة"."

(3) هو صفوان بن يعلى التميمي ، المكي ، حليف لقريش ، روى عن أبيه ، وروى عنه عطاء بن أبي رباح وغيره ، ووثقه ابن حجر وغيره. (ينظر: الجرح والتعديل 4/423 ، التقريب(1/369) .

(4) سورة الزخرف ، جزء من الآية رقم (77) .

(5) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/594 - 595 ، الحديث رقم (871) .

(6) ص (114 - 115) .

(7) شرح صحيح مسلم 6/160.

(8) هو ربيعة بن عبد الله بن الهدير ، ويقال: ابن ربيعة بن الهدير بن عبد العزى التميمي ، المدني ، ولد في عهد النبي وروى عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وغيرهما ، قال عنه الدارقطني: تابعي كبير قليل السند ، توفي سنة 93 هـ. (ينظر: الاستيعاب 1/514 ، والإصابة 1/523 ، وتهذيب التهذيب 3/257) .

(9) أخرجه البخاري في صحيحه في أبواب سجود القرآن وسننها - باب من رأى أن الله لم يوجب السجود 2/33 - 34.

(10) ينظر: الكافي لابن قدامة 1/221 ، والمبدع 1/158 ، وكشاف القناع 2/32.

(11) ينظر: شرح الزركشي 2/179 ، والفروع 2/110 ، والإنصاف 2/388.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت