فهرس الكتاب
وبهذا قال المالكية (1) والإمام الشافعي وأصحابه (2) والإمام أحمد في رواية عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه أكثرهم (3) .
القول الثالث: أن أقله ثلاث آيات أو آية طويلة.
وهذا هو الظاهر من مذهب الحنفية (4) جاء في الفتاوى الهندية:"ومقدار ما يقرأ فيها [يعني خطبة الجمعة ] من القرآن ثلاث آيات قصار أو آية طويلة" (5) .
القول الرابع: يجزئ ما دون آية مطلقا.
وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (6) .
الأدلة:
دليل أصحاب القول الأول:
أصحاب هذا القول نظروا إلى المعنى، فما لم يستقل بمعنى لا يحصل به المقصود من القراءة، فلا فائدة منه فلا يجزئ ولو كان آية كاملة، وما استقل بمعنى أجزأ ولو كان دون آية (7) .
أدلة أصحاب القول الثاني:
1-أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر في قراءته في خطبة الجمعة على أقل من آية (8) .
2-أن الحكم لا يتعلق بما دون الآية، بدليل منع الجنب من قراءتها دون ما هو أقل منها (9) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن قراءة الجنب لما دون آية محل خلاف، فمن الفقهاء من يرى منع قراءته، بل هو رواية عن الإمام أحمد، وأخذ بها بعض أصحابه (10) .
دليل أصحاب القول الثالث:
أن فرض قراءة القرآن في الصلاة يتأدى بثلاث آيات قصار أو آية طويلة، فسنة القراءة في الخطبه تتأدى بهذا القدر من باب أولى (11) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأن المفروض في الصلاة قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، بل المفروض هو قراءة الفاتحة بعينها.
دليل أصحاب القول الرابع:
أنه ليس في قراءة القرآن في الخطبة على المنبر شيء موقت، فما شاء الخطيب قرأ، ولو كان دون الآية (12) .
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن أقل مقدار لقراءة القرآن في خطبة الجمعة هو ما يستقل بمعنى، سواء كان آية أو أقل؛ لقوة ما استدلوا به، ولعدم ورود دليل على التجديد، وقد تقدم في المطلب السابق ترجيح السنية، فيكون المقصود في هذا الترجيح أقل مقدار للإتيان بالسنة.
المطلب الثالث
قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له
اختلف الفقهاء في حكم قراءة الخطيب في خطبة الجمعة لآية فيها سجود تلاوة، والسجود إذا قرأ، وذلك على قولين:
القول الأول: يباح قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له.
وبهذا قال الحنفية (13) والإمام الشافعي وأصحابه (14) والحنابلة (15) وابن حزم (16) .
القول الثاني: يكره قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، ويكره السجود له.
وبهذا قال الإمام مالك، وأصحابه (17) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من السنة:
ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: { قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس للسجود، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَزَّنتم للسجود، فنزل فسجد فسجدوا } (18) (19) .
وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - واضح ومتكرر.
ثانيا: من آثار الصحابة - رضي الله عنه -
(1) ينظر: الشرح الصغير للدردير 1/181.
(2) ينظر: الأم 1/231 ، والمجموع 4/520 ، وروضة الطالبين 2/25 ، ومغني المحتاج 1/286.
(3) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/52 ، وشرح الزركشي 2/179 ، والمغني 3/175 ، والفروع 2/110 ، والإنصاف 2/387 ، والمبدع 2/158 ، وقال بعضهم: لا بد أن تستقل بمعنى.
(4) ينظر: المبسوط 2/26 ، والفتاوى الهندية 1/147.
(5) الفتاوى الهندية 1/147.
(6) ينظر: شرح الزركشي 2/179 ، والكافي لابن قدامة 1/221 ، والفروع 2/110 ، والإنصاف 2/388.
(7) ينظر: شرح الزركشي 2/179.
(8) ينظر: المغني 3/175 ، والشرح الكبير 2/183.
(9) ينظر: المغني 3/175 ، والمبدع 2/158 ، وكشاف القناع 2/32.
(10) ينظر: الفروع 1/201 ، والإنصاف 1/243 ، والمبدع 1/187 - 188.
(11) ينظر: المبسوط 2/26.
(12) ينظر: المغني 3/176.
(13) ينظر: الحجة على أهل المدينة 1/218 ، وبدائع الصنائع 1/192 - 193 ، وفتح القدير 2/27.
(14) ينظر: الأم 1/231 ، والمجموع 4/520 ، وروضة الطالبين 2/26 ، ومغني المحتاج 1/216.
(15) ينظر: المغني 3/180 ، والفروع 2/112.
(16) ينظر: المحلى 5/60.
(17) ينظر: الموطأ 1/206 ، والمنتقى شرح الموطأ 1/351 ، الشرح الكبير للدردير 1/301 ، وحاشية العدوي 1/320.
(18) أبو داود الصلاة (1410) ، الدارمي الصلاة (1466) .
(19) سبق تخريجه ص (147) .