فهرس الكتاب
1-أن عمل أهل المدينة المتصل بينهم عدم التسليم في هذه الحال، فلو كان عندهم شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعدلوا عنه (1) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن مبناه على الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وهذا أصل من أصول المالكية لا يوافقون عليه.
2-أن صعود الخطيب على المنبر اشتغال بافتتاح عبادة، فلم يشترط فيه السلام، كسائر العبادات (2) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن أصحاب القول الأول لم يقولوا بالاشتراط، وإنما قالوا بالسنية، ثم إن الخطيب لم يشتغل بالافتتاح حتى الآن وإن كان قد صعد.
3-أن الخطبة ذكر يتقدّم الصلاة، فلم يشرع له السلام، كالأذان، والإقامة (3) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن سبب التسليم ليس لكون الخطبة ذكرا متقدما على الصلاة، وإنما لأجل الدخول والإقبال على الحاضرين، وهذا لا يتحقق في الأذان والإقامة.
4-القياس على الخطبة الثانية، فكما أنها لا تفتتح بالتسليم فكذلك الأولى (4) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فالخطيب في الأولى قد دخل على الناس من خارج المسجد واستقبلهم فاقتضى عموم الأدلة التسليم، بخلاف الثانية فهو بينهم، ولم يحصل منه استقبال جديد، فلم يكن هناك ما يقتضي التسليم.
هذه المناقشات بناء على القول بأن الأحاديث التي استدلَّ بها أصحاب القول الأول لا تصلح جميعها للاستدلال، ولا يعضد بعضها بعضا، وإلا فإن من جعلها أو بعضها صالحة للاستدلال إنه يرد هذه الأدلة بأنها أدلة عقلية في مقابل نص، فلا يلتفت إليها.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية سلام الخطيب على الناس إذا صعد المنبر؛ لما استدلوا به، ولعموم الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة في الحث على إفشاء السلام.
المطلب الثامن
الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن
اختلف الفقهاء في حكم جلوس الخطيب على المنبر بعد صعوده وقبل البدء في الخطبة حتى يفرغ المؤذن، وذلك على قولين:
القول الأول: أن هذا الجلوس سنة.
وبهذا قال الحنفية (5) والمالكية في المشهور عندهم (6) والشافعية (7) والحنابلة (8) .
بل ذكر ابن عقيل الحنبلي (9) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - عليه (10) .
القول الثاني: أن هذا الجلوس واجب.
وبهذا قال بعض المالكية، وأنكر هذا القول بعضهم (11) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.
أولا: من السنة:
1-ما رواه السائب بن يزيد - رضي الله عنه - قال: { كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر } (12) ... الحديث (13) .
وهذا واضح الدلالة.
2-ما رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: { كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ - أراه قال: المؤذن -، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب } (14) (15) .
وهذا واضح الدلالة.
(1) ينظر: الإشراف 1/133 ، والمنتقى شرح الموطأ 1/189.
(2) ينظر: المرجعان السابقان.
(3) ينظر: الإشراف 1/133.
(4) المرجع السابق.
(5) ينظر: الفتاوى الهندية 1/147 ، ومراقي الفلاح ص (103) .
(6) ينظر: الكافي لابن عبد البر 1/251 ، والإشراف 1/133 ، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه 2/171 ، والفواكه الدواني 1/307.
(7) ينظر: الحاوي 3/53 ، والمجموع 4/527 ، وروضة الطالبين 2/31 ، ومغني المحتاج 1/289.
(8) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/52 ، وشرح الزركشي 2/167 ، والمغني 3/162 ، والفروع 2/118 ، والإنصاف 2/396 ، وكشاف القناع 2/35.
(9) هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي ، الحنبلي ، يكنى بأبي الوفاء ، مقرئ ، فقيه ، أصولي ، واعظ ، وأحد الأئمة المجتهدين ، قال فيه السلفي: ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء ابن عقيل ، له مصنفات منها الفنون ، توفي سنة 513 هـ. (ينظر: طبقات الحنابلة 2/259 ، والمقصد الأرشد 2/245) .
(10) ذكر ذلك ابن مفلح في الفروع 2/118 ، والبهوتي في كشاف القناع 2/35 وغيرهما.
(11) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه 2/171 ، وممن أنكره ابن عرفة.
(12) البخاري الجمعة (870) ، الترمذي الجمعة (516) ، النسائي الجمعة (1392) ، أبو داود الصلاة (1087) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1135) ، أحمد (3/449) .
(13) تقدم تخريجه ص (197) وهو في صحيح البخاري.
(14) البخاري الجمعة (878) ، مسلم الجمعة (861) ، الترمذي الجمعة (506) ، النسائي الجمعة (1416) ، أبو داود الصلاة (1092) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1103) ، الدارمي الصلاة (1558) .
(15) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب الجلوس إذا صعد المنبر 1/286 ، الحديث رقم (286) ، وقال النووي في المجموع 4/526:"بإسناد ضعيف".