الصفحة 612 من 733

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ضعيف الإسناد، فلا يصلح للاحتجاج، ولكن كما قال النووي (1) يغني عنه حديث السائب - الذي قبله -"."

ثانيا: من المعقول:

1-أن الخطيب بجلوسه بعد الصعود يستريح من تعب الصعود، ويتمكن من الكلام التمكن التام (2) .

2-أن في الجلوس بعد الصعود زيادة وقار، فيسنّ (3) .

وأما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على دليل لهم، والظاهر أنهم يستدلون بحديث السائب الذي استدل به أصحاب القول الأول، لكنه مجرد فعل، فلا يدل على الوجوب، بل على السنية .

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية جلوس الخطيب على المنبر بعد صعوده حتى يفرغ المؤذن؛ لقوة ما استدلوا به، وخاصة حديث السائب - رضي الله عنه -.

المطلب التاسع

اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيفا أو نحوها

وفيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: حكم الاعتماد على قوس، أو عصا، أو سيف، أو نحوها.

المسألة الثانية: اليد التي يمسك بها ذلك.

المسألة الثالثة: ما يفعل بيديه إذا لم يعتمد على شيء.

المسألة الأولى

حكم اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو سيف، أو نحوها

وفيها أمران:

الأمر الأول: حكم الاعتماد على قوس أو عصا أو نحوهما.

الأمر الثاني: حكم الاعتماد على سيف.

الأمر الأول

حكم اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو نحوهما

اختلف الفقهاء في حكم اعتماد الخطيب أثناء خطبة الجمعة على قوس، أو عصا، وذلك على قولين:

القول الأول: يسنّ اعتماده على ذلك.

وبهذا قال المالكية (4) والشافعية (5) والحنابلة (6) .

القول الثاني: يكره الاعتماد على ذلك.

وبه قال الحنفية (7) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:

أولا: من السنة:

1-ما رواه الحكم (8) بن حَزْنٍ الكُلَفِيُّ قال: { وفدتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر والشأن إذ ذاك دُون، فأقمنا بها أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام مُتوكئا على عصا، أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: أيها الناس إنكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به ولكن سددوا وابشروا } (9) (10) .

(1) المجموع 4/526.

(2) ينظر: مغني المحتاج 1/289 ، والمبدع 2/162 ، وكشاف القناع 2/35 - 36.

(3) ينظر: مواهب الجليل 2/171.

(4) ينظر: المدونة 1/156 ، والبيان والتحصيل 1/341 ، ومواهب الجليل 2/172 ، والشرح الصغير 1/181 ، والفواكه الدواني 1/307.

(5) ينظر: الأم 1/230 ، والحاوي 3/53 - 54 ، والوجيز 1/64 ، والمجموع 4/528 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/290.

(6) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/52 ، والمغني 3/179 ، والفروع 2/119 ، والمحرر 1/151 ، والإنصاف 2/397 ، والمبدع 2/163.

(7) ينظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص (334) .

(8) هو الحكم بن حزْن الكُلفي ، التميمي ، صحابي ، قليل الحديث ، قال مسلم:"لم يرو عنه إلا شعيب (يعني ابن زريق) . (ينظر: طبقات ابن سعد 5/516 ، أسد الغابة 2/31) ."

(9) أبو داود الصلاة (1096) ، أحمد (4/212) .

(10) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب الرجل يخطب على قوس 1/287 ، الحديث رقم (1096) ، والإمام أحمد في 4/212 ، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب الإمام يعتمد على عصا أو قوس أو ما أشبههما إذا خطب 3/206 ، وابن خزيمة في صحيحه في كتاب جماع أبواب صلاة العيدين - باب الاعتماد على القسي أو العصي على المنبر في الخطبة 2/352. وقال عنه النووي في المجموع 4/526:"حديث حسن رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة"، وقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع 4/602:"وإسناده حسن"، كما حسنه الألباني في إرواء الغليل 3/78 ، وتوصل محمد بن عبد الوهاب العبدلي في تحفة الأريب بما جاء في العصا للخطيب ص (8) إلى تصحيحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت