فهرس الكتاب
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ثبت في السنة الاعتماد على ذلك كما في أدلة أصحاب القول الأول.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - القول الأول القائل بسنية اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو نحوهما في خطبة الجمعة، لقوة ما استدلوا به، وخاصة حديث الحكم بن حزن الذي حسَّنه بعض العلماء المحققين في علم الحديث كالنووي وابن حجر كما في تخريجه.
وهذا ما اختاره سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - حيث قال في تقرير له في ذكر فوائد حديث الحكم ابن حزن:"منها شرعية الاعتماد في الخطبة على قوس، أو عصا، وذلك لكونه أرفق للخطيب وأثبت له، ولا سيما إذا كان يطول وقوفه أو مقصود مهم، فكونه معتمدا على قوس أوعصا هو السنة، وخص القوس والعصا لأنهما يستصحبان عادة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تستصحب العصا عندنا" (1) . الأمر الثاني
اعتماد الخطيب على سيف
اختلف الفقهاء في حكم اعتماد الخطيب على سيف أثناء خطبة الجمعة، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يشرع الاعتماد على السيف مطلقا.
وبهذا قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - (2) .
القول الثاني: يسنّ الاعتماد على السيف مطلقا كالقوس ونحوهما.
وبهذا قال المالكية (3) والشافعية (4) والحنابلة (5) .
القول الثالث: يسنّ الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت عنوة دون البلاد التي فتحت صلحًا.
وبهذا قال الحنفية (6) .
الأدلة:
دليل صاحب القول الأول:
استدل بعدم فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك (7) .
دليل أصحاب القول الثاني:
أن في الاعتماد على السيف إشارة إلى أن هذا الدين فتح به، وقام به، ولهذا يسنّ أن يكون ذلك في يده اليسرى كعادة من يريد الجهاد به (8) .
مناقشة هذا الدليل: ناقشه ابن القيم بأنه جهل قبيح من وجهين:
الوجه الأول: أن المحفوظ أنه - صلى الله عليه وسلم - توكأ على العصا والقوس.
الوجه الثاني: أن الدين قام بالوحي، وأما السيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كان يخطب فيها إنما فُتحت بالقرآن، ولم تُفتح بالسيف (9) .
أدلة أصحاب القول الثالث:
استدلوا على سنية الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت عنوة بما يلي:
أن الخطيب إذا اعتمد على السيف في هذه البلاد فإنه يُري أهلها أنها فُتِحَتْ بالسيف، وأنهم إذا رجعوا عن الإسلام فذلك باقٍ بأيدي المسلمين، يقاتلونهم به حتى يرجعوا إلى الإسلام (10) .
مناقشه هذا الدليل: يناقش بالوجه الثاني من مناقشة دليل القول السابق من أن الإسلام انتشر بالوحي، وبقاؤهم على الإسلام يكون بنشر الإسلام بينهم، لا بفرضه عليهم بحد السيف.
وأما قولهم بعدم مشروعية الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت صلحا فالظاهر أنهم يستدلون بما استدل به صاحب القول الأول.
الترجيح:
الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول الذي قال به ابن القيم - رحمه الله -، وهو عدم مشروعية اعتماد الخطيب في الجمعة على السيف؛ لقوة دليله، وعدم قيام الدليل على سنيته.
وهو ما اختاره سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - حيثما قال بعد الكلام على سنية الاعتماد على القوس والعصا:"... وأما السيف فليس بمشروع..." (11) .
المسألة الثانية
اليد التي يمسك بها الخطيب القوس، أو العصا، أو نحوهما
اختلف القائلون بسنية اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو نحوهما أثناء خطبة الجمعة في اليد التي يمسك بها ذلك، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يمسكه بما شاء من يديه، والأخرى بحرف المنبر أو يرسلها.
وهذا هو المشهور من المذاهب عند الحنابلة (12) .
القول الثاني: يمسكه بيسراه، والأخرى بحرف المنبر.
وبهذا قال الشافعية (13) وهو توجيه لصاحب الفروع من الحنابلة (14) .
القول الثالث: يمسكه بيمناه.
وبهذا قال المالكية (15) .
(1) فتاوى ورسائل سماحته 3/21.
(2) ينظر: زاد المعاد 1/429.
(3) ينظر: الشرح الصغير 1/181 ، والفواكه الدواني 1/307.
(4) ينظر: المجموع 4/528 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/290.
(5) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/52 ، والمغني 3/179 ، والفروع 2/119 ، والإنصاف 2/397 ، وكشاف القناع 2/36.
(6) ينظر: مراقي الفلاح (103) ، وحاشية الطحطاوي عليه ص (334) .
(7) ينظر: زاد المعاد 1/429.
(8) ينظر: مغني المحتاج 1/290 ، والمبدع 2/163 ، وكشاف القناع 2/36.
(9) ينظر: زاد المعاد 1/190 ، وفتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 3/21.
(10) مراقي الفلاح ص (103) .
(11) فتاوى ورسائل سماحته 3/21.
(12) ينظر: الفروع 2/119 ، والإنصاف 2/397 ، والمبدع 2/163 ، وكشاف القناع 2/36.
(13) ينظر: المجموع 4/528 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/290.
(14) الفروع 2/119.
(15) ينظر: الفواكه الدواني 1/307.