الصفحة 615 من 733

الأدله: لم أطلع على دليل لأصحاب القول الأول، والظاهر أنهم يستدلون بعدم ورود ما يدل على التحديد، فيبقى الخيار في ذلك للخطيب؛ لأنه أعرف بما يناسبه ويُمَكِّنه.

دليل أصحاب القول الثاني:

ما تقدم في الفرع الثاني من المسألة السابقة بالنسبة للاعتماد على السيف من أن الاعتماد عليه إشارة إلى أن هذا الدين قام بالسيف، فيسنّ أن يكون في اليد اليسرى كعادة من يريد الجهاد (1) .

وقد سبق هناك مناقشة ذلك.

ولم أطلع على دليل لهم بالنسبة للقوس والعصا ونحوهما.

دليل أصحاب القول الثالث:

لم أطلع على دليل صريح لهم، ولكن ظاهر كلامهم الاستدلالي على ذلك بأن من الحكم في الاعتماد على القوس والعصا ونحوهما الابتعاد عن العبث باللحية ونحوها أثناء الخطبة، والغالب استخدام اليد اليمنى في ذلك (2) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن ما ذكروه غير منضبط، فقد يحصل العبث باليسار، بل إن من الناس من يكون عمله باليسار أكثر وأجود من اليمين.

الترجيح:

المتأمل لهذه المسألة يجد أنه ليس فيها أدلة واضحة وصريحة، ولهذا فالذي يظهر رجحانه فيها - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول، وهو التخيير؛ لما ذكرت.

المسألة الثالثة

ما يفعل الخطيب بيديه إذا لم يعتمد على شيء

إذا لم يعتمد الخطيب أثناء خطبة الجمعة على قوس أو عصا أو نحوهما كما تقدم فقال الشافعية (3) والحنابلة (4) له أن يمسك يده الشمال بيده اليمين، أو يرسلهما.

الدليل:

أن الغرض هو الخشوع أثناء الخطبة، وعدم العبث، فما يرى الخطيب أنه يحقق له ذلك من الإمساك أو الإرسال يفعله (5) .

المطلب العاشر

رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب

تقدم في الشروط الكلام على الجهر بخطبة الجمعة، وبقي الكلام على رفع الصوت بها زيادة على الجهر وهو المقصود بالبحث في هذه المسألة.

وقد ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (6) والمالكية (7) والشافعية (8) والحنابلة (9) - إلى أن رفع الصوت بالخطبة زيادة على القدر الواجب، وحسب الطاقة سنة من سنن الخطبة.

الأدلة:

استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:

أولا: من السنة:

1-ما رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإِن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، كل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دين أو ضياعا (10) فإليَّ وعليَّ } (11) .

قال النووي:"يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه" (12) .

2-ما رواه النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: { أنذركم النار، أنذركم النار، حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه } (13) (14) .

قال في إعلاء السنن:"دلالته على بعض ألفاظ الخطبة، ورفع الصوت فيها ظاهرة" (15) .

ثانيا: من المعقول:

أن رفع الصوت بالخطبة أبلغ في إعلام الناس، فيتحقق المقصود بها (16) .

(1) ينظر: مغني المحتاج 1/290.

(2) ينظر: الفواكه الدواني 1/307.

(3) ينظر: الحاوي 3/54 ، والمجموع 4/528 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/290.

(4) ينظر: المغني 3/280 ، والفروع 2/119 ، والإنصاف 2/397 ، والمبدع 2/163 ، وكشاف القناع 2/36

(5) ينظر: روضة الطالبين 2/32 والمجموع 4/528.

(6) ينظر: الفتاوى الهندية 1/147 ، ومراقي الفلاح ، ص (103) .

(7) ينظر: مواهب الجليل ، والتاج والإكليل بهامشه 2/172 ، والشرح الصغير وبلغة السالك معه 1/181.

(8) ينظر: الأم 1/230 ، والحاوي 3/55 ، والمجموع 4/528 ، وشرح النووي على صحيح مسلم 6/156.

(9) ينظر: المغني 3/178 ، والفروع 2/119 ، والإنصاف 2/397 ، والمبدع 2/163 ، وكشاف القناع 2/36

(10) قال النووي: قال أهل اللغة: الضياع - بفتح الضاد - العيال ، قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يضيع ضياعا، المراد من ترك أطفالا وعيالا ذوي ضياع، فأوقع المصدر موضع الاسم. (ينظر: شرح صحيح مسلم 6/155) .

(11) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/592 ، الحديث رقم (867) .

(12) شرح صحيح مسلم 6/155 - 156.

(13) أحمد (4/272) ، الدارمي الرقاق (2812) .

(14) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4/268 ، 272 ، والبيهقي في كتاب الجمعة - باب رفع الصوت بالخطبة 3/207. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2/187 - 188 وقال:"ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".

(15) إعلاء السنن 8/57.

(16) ينظر: المهذب مع المجموع 4/526 ، وكشاف القناع 2/36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت