فهرس الكتاب
وفي رواية: { كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن } (1) (2) .
وكلاهما واضح الدلالة.
ثالثا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم:
1-ما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه خطب فلم يجلس حتى فرغ (3) .
وجه الدلالة: أن عليا - رضي الله عنه - ترك الجلسة بين الخطبتين، ولو كانت شرطا لما تركها.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه متكلم في سنده كما تقدم عند تخريجه (4) .
2-ما روي عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أنه خطب فلم يجلس بين الخطبتين (5) .
ووجه الدلالة كالذي قبله.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لم يتحقق ثبوته كما تقدم عند تخريجه (6) وإن ثبت فهو فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به.
3-ما روي عن عبد الله (7) بن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يخطب خطبة واحدة، فلما ثقل - أي أسن - جعلها خطبتين وقعد بينهما (8) .
وجه الدلالة: أن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان لا يجلس، فلما أسن جلس، فهذا دليل على أن الجلسة للاستراحة وليست بشرط للخطبة (9) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لم يتحقق لي ثبوته؛ لعدم الاطلاع على سنده، وعلى تقدير ثبوته فهو فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به.
رابعا: من المعقول:
1-أن الجلسة بين الخطبتين جلسة ليس لها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة، كالجلسة الأولى أي قبل الخطبة (10) .
2-أن الخطبتين ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطا، كالأذان والإقامة (11) .
3-أن الجلسة بين الخطبتين قعود على المنبر قبل خطبته، فلم تكن شرطا كالجلسة الأولى (12) .
4-أن الغرض بهذه الجلسة الفصل بين الخطبتين والإعلام بالفراغ من الأولى، وذلك لا يوجب كونه شرطا كقوله: { اذكروا الله يذكركم } (13) .
5-الغرض من الخطبة هو الوعظ والتذكير، وهو يتحقق بدون هذه الجلسة، فلا تكون شرطا (14) .
دليل أصحاب القول الثاني:
استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة:
ما رواه مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - أن النبي - صلى عليه وسلم - قال: { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } (15) (16) .
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالصلاة كما صلى، وقد جلس بين الخطبتين في الجمعة وواظب على ذلك كما في حديثي جابر بن سمرة وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - كما تقدم في أدلة القول الأول، فيجب أن نفعل كما فعل (17) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن خطبة الجمعة ليست جزءا من الصلاة كما تقدم أكثر من مرة.
الوجه الثاني: على تقدير التسليم بأنها من الصلاة فإن هذا الحديث لا يدل على وجوب كل ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، فإن من أفعاله ما هو سنة باتفاق.
الوجه الثالث: إذا كانت المواظبة تدل على الشرطية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد واظب على الجلسة الأولى، فيلزم القول بشرطيتها، وهم - أي الشافعية - لا يقولون بذلك كما سيأتي (18) .
الإجابة عن هذا الوجه: أجيب عنه بأن جل الروايات عن ابن عمر ليس فيها الجلسة الأولى، وإنما وردت في رواية ضعيفة، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين (19) .
(1) البخاري الجمعة (878) ، مسلم الجمعة (861) ، الترمذي الجمعة (506) ، النسائي الجمعة (1416) ، أبو داود الصلاة (1092) ، أحمد (2/98) ، الدارمي الصلاة (1558) .
(2) تقدم تخريجها ص (31) .
(3) تقدم تخريجه ص (42) .
(4) ص (42) .
(5) تقدم تخريجه ص (43) .
(6) ص (43) .
(7) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ، ابن عم رسول الله ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ، ودعا له النبي بالفقه في الدين وتعليمه التأويل ، فكان يسمى"حبر الأمة"، ولاه علي على البصرة ، وتوفي سنة 68 هـ. (ينظر: أسد الغابة 3/192 ، والإصابة 4/90) .
(8) هكذا ذكره الكاساني في بدائع الصنائع 1/263 مستدلا به لهذا القول ، ولم يعزه لشيء من كتب السنة والآثار ، ولم أطلع عليه فيما بين يدي منها ، وذكره في التمام 1/235 حديثا ولم يعزه أيضا ، ولم أطلع عليه فيما بين يدي من كتب السنة بهذا اللفظ.
(9) ينظر: بدائع الصنائع 1/263.
(10) ينظر: المغني 3/176 ، والمبدع 2/162.
(11) ينظر: الإشراف 1/133 ، ورؤوس المسائل الخلافية للعكبري 1/329 - 330.
(12) ينظر: الإشراف 1/133.
(13) المرجع السابق.
(14) شرح الزركشي 2/176.
(15) البخاري الأذان (605) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (674) ، الترمذي الصلاة (205) ، النسائي الأذان (635) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (979) ، أحمد (5/53) ، الدارمي الصلاة (1253) .
(16) تقدم تخريجه ص (32) ، وممن استدلوا به لهذا القول النووي في شرح مسلم 6/150 ، وابن حجر في فتح الباري 2/406.
(17) ينظر: فتح الباري 2/406.
(18) المرجع السابق.
(19) المرجع السابق.