فهرس الكتاب
وأما ما استدلوا به من مواظبته - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة - رضي الله عنهم - فإنه مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، والله أعلم.
ثانيا: من المعقول:
أن الخطبة أحد فرضي الجمعة، فوجب فيها القيام والقعود، كالصلاة (1) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لا يلزم من التماثل في الحكم المماثلة في الأفعال وإلا لزم القول بوجوب الركوع والسجود وغيرهما من أركان الصلاة في الخطبة.
كما أنه يلزمكم - أي الشافعية - بناء على هذا القول بوجوب الأولى حال الأذان؛ لأنها قعود بعد دخول الإمام للخطبة.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الجلسة بين الخطبتين سنة؛ لقوة ما استدلوا به، وعدم قيام الدليل على الشرطية.
المسألة الثانية مقدار الجلسة بين الخطبتين
المسألة الثانية
مقدار الجلسة بين الخطبتين
اختلف الفقهاء في مقدار الجلسة بين الخطبتين سواء من قال بسنيتها ومن قال بشرطيتها - بعد اتفاقهم على أنها خفيفة - وذلك على أربعة أقوال:
القول الأول: أنها بقدر قراءة سورة الإخلاص.
وبهذا قال بعض المالكية (2) وبه قال الشافعية (3) وجماعة من الحنابلة (4) .
القول الثاني: أنها بقدر قراءة ثلاث آيات.
وهذا هو ظاهر الرواية عند الحنفية (5) .
القول الثالث: أنها بقدر تمكن الخطيب في موضع جلوسه واستقرار كل عضو منه في موضعه.
بهذا قال بعض الحنفية (6) .
القول الرابع: أنها بقدر الجلسة بين السجدتين.
وبهذا قال بعض المالكية (7) .
وهذه الأقوال لم أطلع على أدلة لها فيما بين يدي من كتب أصحابها، وليس في الأحاديث الواردة فيها والتي تقدمت في المطالب السابقة لها، والظاهر - والله أعلم - أنها جلسة خفيفة للاستراحة والفصل بين الخطبتين، وأنه لا تقدير لها، بل بحسب اجتهاد الخطيب فيها، ولذلك لم يقدرها أكثر الفقهاء في كتبهم وخاصة الحنابلة بل يقتصرون على قولهم بأنها جلسة خفيفة (8) ومما يؤيد عدم التقدير ما يلي:
1-عدم تقديرها في الأحاديث الصحيحة كحديثي ابن عمر وجابر بن سمرة - رضي الله عنهم -.
2-أن في تقديرها حرجا ومشقة على الإمام، حيث سيقوم فيها بحساب المقدر، إما بقراءة سورة الإخلاص، أو ثلاث آيات، أو الذكر بين السجدتين.
3-أن التقدير ينافي أصل مشروعيتها، حيث إنها مشروعة للاستراحة والفصل، وحساب المقدار يشغل عن ذلك.
المبحث الثاني
السنن في خطبة الجمعة
يسن في خطبة الجمعة عدد من السنن تتمثل في ستة مطالب هي:
المطلب الأول: تقصيرها.
المطلب الثاني: أن تكون فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة.
المطلب الثالث: قراءة سورة (ق) فيها.
المطلب الرابع: الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية.
المطلب الخامس: الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية.
المطلب السادس: ختم الخطبة الثانية بالاستغفار.
المطلب الأول
تقصير خطبة الجمعة
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تقصير الخطبتين معا.
المسألة الثانية: تقصير الثانية أكثر من الأولى.
المسألة الأولى
تقصير الخطبتين معا
ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (9) والمالكية (10) والشافعية (11) والحنابلة (12) - إلى أن يسنّ للخطيب في الجمعة تقصير الخطبتين بقدر لا يحصل به الإخلال بأركانها، ويفوت به المقصود منها حسب ما يراه أصحاب كل مذهب في ذلك كما تقدم عند الكلام على الأركان.
قال النووي:"ويكون قصرها معتدلا، ولا يُبالغ بحيث يمحقها" (13) .
(1) ينظر: المهذب مع المجموع 4/514.
(2) ينظر: الكافي لابن عبد البر 1/250 ، وبلغة السالك 1/180 ، ومواهب الجليل 2/171 - 172.
(3) ولكنهم اختلفوا في قدر الواجب منه ، ففي وجه أنه بقدر الطمأنينة ، وهذا هو الصحيح والمشهور عندهم ، والوجه الثاني: يشترط كونه قدر سورة الاخلاص. ينظر: المجموع 4/514 - 515 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/290.
(4) ينظر: الفروع 2/119 ، والإنصاف 2/397 ، والمبدع 2/163 ، وكشاف القناع 2/36.
(5) ينظر: الفتاوى الهندية 1/147 ، ومراقي الفلاح ص (103) ، ومجمع الأنهر والدر المنتقى بهامش 1/168.
(6) ينظر: المراجع السابقة.
(7) ينظر: الفواكه الدواني 1/307 ، ومواهب الجليل 2/171.
(8) ومنهم أبو الخطاب في الهداية 1/52 ، وابن قدامة في المغني 3/176 ، وغيرهما.
(9) ينظر: بدائع الصنائع 1/263 ، والفتاوى الهندية 1/147 ، ومجمع الأنهر 1/168 ، ومراقي الفلاح ص (103) ، وقد حدد بعضهم ذلك بقدر سورة من طوال المفصَّل.
(10) ينظر: القوانين الفقهية ص (86) ، والشرح الصغير وبلغة السالك معه 1/180 - 181 ، والتاج والإكليل بهامش المواهب 2/166.
(11) ينظر: الوجيز 1/64 ، والمجموع 4/528 - 529 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/289.
(12) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/52 ، والمغني 3/179 ، والفروع 2/119 ، والمحرر 1/151 ، والإنصاف 2/397 ، وكشاف القناع 2/36.
(13) المجموع 4/529.