فهرس الكتاب
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته عن أحد منهم فإنه إن كان من الصحابة فمختلف في الاحتجاج بقوله، وإن كان ممن دونهم فليس بحجة بالاتفاق، خاصة وأن ذلك في إثبات ركن يتعلق به صحة الجمعة.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة، والأولى في آخرها، لما استدلوا به، ويؤيد السنية بأن الساعة ساعة ترجى فيها إجابة الدعاء، والدعاء للمسلمين من أعظم الأمور وأهمها وأكثرها فائدة للإسلام والمسلمين في هذا الوقت.
قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - في تقرير له موضحا ما ينبغي أن يتضمنه الدعاء:"ويكون دعاؤه للمسلمين بالأمور الهامة من نصرة الإسلام والمسلمين، وكبت أعداء الدين، ونحو ذلك" (1) .
المطلب الخامس
الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة بدون تعيين.
المسألة الثانية: الدعاء لولي أمر بعينه.
المسألة الأولى
الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة بدون تعيين
الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة وبدون تعيين بالصلاح والإعانة على الحق، والقيام بالعدل، ونحو ذلك في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة مستحب كما ذكر النووي حيث قال:"فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك، ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق" (2) .
المسألة الثانية
الدعاء لولي أمر بعينه
كما أن للناس حقوقا على ولي الأمر، فكذلك له عليهم حقوق أعظمها وأهمها محبته، وطاعته في غير معصية الله، والدعاء له بالصلاح والهداية والتوفيق والإعانة ونحو ذلك مما فيه منفعة له ولعموم رعيته وللمسلمين عامة، وعلى هذا المنهج كان سلفنا الصالح من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا حتى وإن نالهم شيء منهم كما حصل للإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما، وقد كان الإمام أحمد يقول:"لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل، لأن في صلاحه صلاحا للمسلمين" (3) وقال:"إني لأدعو له بالتوفيق والتسديد" (4) وذلك اتباعا لما يعلمونه من شرع الله - عز وجل - وإيمانا منهم بما يحصل من طاعته وصلاحه من اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، واستتباب الأمن، وأداء الحقوق، وقيام مصالح الناس وحياتهم على الوجه السوي، وما يحصل بضدِّ ذلك من الأضرار والمفاسد التي لا يعلم قدرها إلا الله - عز وجل - ولا يعرف ذلك إلا من جربه.
وخطبة الجمعة من الأوقات التي تُرجى فيها إجابة الدعاء؛ لأنها تحصل في الساعة التي لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه على أرجح الأقوال - في نظري -، كما أنها تحصل في مجمع من الناس يؤمنون عليها، وقد يكون منهم من هو مستجاب الدعوة، فهل يشرع في الخطبة الثانية الدعاء له بعينه؟ اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مستحب.
وبهذا قال بعض المالكية (5) وبعض الحنابلة (6) وعبارة صاحب المغني توحي بأنه يميل إليه حيث قال:"وإن دعا لسلطان المسلمين فحسن" (7) وكذا صاحب الإنصاف حيث قال عنه:"وما هو ببعيد" (8) .
القول الثاني: أنه جائز.
وبهذا قال بعض الشافعية، واختاره النووي (9) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (10) .
القول الثالث: أنه غير مشروع، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من ذلك فقال ببدعيته.
وبهذا قال بعض المالكية (11) وبعض الشافعية (12) .
الأدلة:
أدله أصحاب القول الأول:
استدلوا بأدلة من آثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم -.
(1) فتاوى ورسائل سماحته 3/21.
(2) ينظر: المجموع 4/521 ، وروضة الطالبين 2/33.
(3) ينظر: الفروع 2/120 ، والإنصاف 2/398.
(4) ينظر: الفروع 2/120 ، والمبدع 2/164.
(5) ينظر: مواهب الجليل 2/165.
(6) ينظر: المغني 3/181 ، والفروع 2/120 ، والإنصاف 2/398 ، والمبدع 2/164.
(7) المغني 3/181.
(8) الإنصاف 2/398.
(9) ينظر: المجموع 4/521 ، وروضة الطالبين 2/32 - 33 ، ومغني المحتاج 1/290.
(10) ينظر: شرح الزركشي 2/182 ، والمغني 3/181 ، والفروع 2/120 ، والإنصاف 3/397 ، والمبدع 2/164 ، وكشاف القناع 2/37.
(11) ينظر: مواهب الجليل 2/165.
(12) ينظر: الأم 1/233 ، والمجموع 4/521 ، وروضة الطالبين 2/32 - 33.