الصفحة 623 من 733

ما رواه ضبة (1) بن محصن أن أبا موسى الأشعري (2) - رضي الله عنه -"كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو لعمر، وأبي بكر، وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقال لضبة: أنت أوفق منه وأرشد" (3) .

وهو واضح الدلالة لكن لم يتحقق لي ثبوته.

ثانيا: من المعقول:

1-أن إمام المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه (4) .

دليل أصحاب القول الثاني:

أن الدعاء للمعين يجوز في الصلاة على الصحيح، ففي الخطبة أولى (5) .

وهذا الدليل لا مخالفة فيه لما ذكره أصحاب القول الأول.

دليل أصحاب القول الثالث:

ما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: الذي يدعو الناس به في الخطبة يومئذ أبلغك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عمن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا إنما أحدث، إنما كانت الخطبة تذكيرا (6) .

وهو واضح الدلالة على قولهم.

مناقشه هذا الدليل: يناقش من وجهين:

الوجه الأول: أنه متكلم في صحته كما في تخريجه.

الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد فعله الصحابة - رضي الله عنه - كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، وهو مقدم على قول عطاء (7) .

الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باستحباب الدعاء لولي الأمر بعينه في خطبة الجمعة؛ لما استدلوا به، ولما في ذلك من المصالح العظيمة له وللعباد والبلاد وأهمها جمع الكلمة، ووحدة الصف، وتأكيد محبته وطاعته في قلوب عامة الناس، وتشهد لذلك قواعد الشريعة العامة، وعقيدة السلف الصالح ومنهجهم.

وهذا إذا لم يأمر بذلك ولي الأمر، فإن أمر بذلك فإن المسألة إلى الوجوب؛ للأدلة المتظاهرة من الكتاب والسنة على وجوب طاعته في غير معصية الله، ولأنه لا يأمر بذلك إلا لمصلحة ظاهرة يراها تستدعي ذلك.

المطلب السادس

ختم الخطبة الثانية بالاستغفار

ذكر كثير من الفقهاء أن من سنن خطبتي الجمعة أن يختم الثانية بالاستغفار كقوله:"أستغفر الله لي ولكم".

وممن ذكر ذلك الحنفية (8) والمالكية (9) والشافعية (10) .

الأدلة: 1- ما رواه سمرة بن جندب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - { كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة } (11) .

2-ما رواه ابن شهاب الزهري قال:"بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { كان يبدأ فيجلس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام فخطب الخطبة الأولى، ثم جلس شيئا يسيرا، ثم قام فخطب الخطبة الثانية، حتى إذا قضاها استغفر ثم نزل فصلى } (12) ."

(1) هو ضبة بن محصن العنزي ، البصري ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن سعد: قليل الحديث ، وقال الأزدي: ثقة مشهور. (ينظر: طبقات ابن سعد 7/103 ، وتهذيب التهذيب 4/442) .

(2) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري ، مشهور بكنيته أبي موسى ، قيل: إنه هاجر إلى الحبشة وقدم المدينة بعد فتح خيبر ، واستعمله النبي على بعض اليمن ، ثم عمر على البصرة ، ثم عثمان على الكوفة ، وكان أحد الحكمين بصفين ، ثم اعتزل الفتنة ، وتوفي سنة 42 هـ. (ينظر: طبقات ابن سعد 2/344 ، والإصابة 4/119) .

(3) ذكره بهذا اللفظ مستدلا به ابن قدامة في المغني 3/181 ، وأشار إليه باختصار برهان الدين ابن مفلح في المبدع 2/164 ، والبهوتي في الكشاف 2/37 ، ولم يذكروا من أخرجه ، ولم أطلع عليه في ما بين يدي من كتب السنة والآثار.

(4) ينظر: المغني 3/181 ، والمبدع 2/164 ، وكشاف القناع 2/37.

(5) ينظر: شرح الزركشي 2/182.

(6) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يكره من الدعاء لأحد بعينه ، أو على أحد بعينه في الخطبة 3/217 ، وذكره الإمام الشافعي في الأم 1/233 ، وقال النووي في المجموع 4/518:"وهو إسناد صحيح إلا عبد المجيد فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، وضعفه أبو حاتم الرازي ، والدارقطني".

(7) ينظر: المغني 3/181.

(8) ينظر: مراقي الفلاح ص (103) .

(9) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامش 2/172 ، والشرح الصغير 1/181.

(10) ينظر: الحاوي 3/58 ، والمجموع 4/529 ، وروضة الطالبين 2/33 ، ومغني المحتاج 1/290.

(11) تقدم تخريجه وبيان الحكم عليه وأن في صحته كلاما ص (274) .

(12) أخرجه أبو داود في مراسيله ص (125) ، وقال في إعلاء السنن 8/60:"وفي آثار السنن: هو مرسل جيد"ووافقه على ذلك ، وقال أيضا - أعني صاحب إعلاء السنن:"فالحق أن مراسيل الزهري مختلف فيها ، ضعفها بعضهم ، واحتج بها بعضهم ، ومثله يكون حسنا صالحا للاحتجاج كما ذكرناه في المقدمة."لكن على كل الأحوال فإن المرسل يعد عند أهل العلم من أقسام الحديث الضعيف ، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت