فهرس الكتاب
وإذا كان الأمر كذلك فلا يشرع للخطيب أن يخرج بخطبته عن هذا المنهج النبوي، والمقصود الشرعي، بل عليه أن يلتزم به، فلا يخرج عنه إلى مقاصد أخرى كالموضوعات التي يخالف منهج السلف الصالح، أو التي تثير الفتنة والخلاف والعداوة بين المسلمين، أو الدخول في قضايا لا علاقة لعامة الناس بها، أو ليس فيها فائدة تذكر، أو نحو ذلك.
كما يدخل في إخراج الخطبة عن مقصودها الشرعي الاهتمام بالمحسنات الشكلية والبلاغية مع إهمال المضمون.
وفي هذا كله يقول ابن القيم - رحمه الله - أيضا موضحا منهج النبي ومنهج أصحابه ومن بعدهم من السلف أكثر مما سبق:"ومن تأمل خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والمسألة بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها" (1) .
ما أعظمه من منهج !! وما أحوجنا إلى الالتزام به !! لكي تؤدي الخطب المقصود منها، وتصل إلى قلوب الناس، فتستنير وتحيا حياة طيبة، وفق شرع الله - تعالى- ومنهج نبيه - صلى الله عليه وسلم - والسلف الصالح.
المبحث الثالث
صلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر
اختلف الفقهاء في الخطيب في الجمعة إذا دخل يريد الخطبة هل يصلي تحية المسجد قبل صعود المنبر كغيره، أو تسقط عنه؛ وذلك على قولين:
القول الأول: أن السنة في حقه أن يصعد المنبر حال دخوله، ولا تشرع له تحية المسجد.
وبهذا قال المالكية (2) وهو المذهب عند الشافعية (3) وبه قال الحنابلة (4) .
القول الثاني: تسن له تحية المسجد عند دخوله وقبل صعود المنبر كغيره.
وبهذا قال بعض الشافعية (5) لكنه ضعيف، بل قال عنه النووي:"غريب، وشاذ، ومردود، فإنه خلاف ظاهر المنقول عن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم" (6) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول: أولا: من السنة: ما رواه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم } (7) .
وفي حديث آخر لابن عمر - رضي الله عنهما - أيضا قال:
{ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج يوم الجمعة فقعد على المنبر أذن بلال } (8) .
هكذا استدل أصحاب هذا القول بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بصعوده المنبر عند دخوله مباشرة، ولم ينقل عنه صلاة تحية المسجد قبله (9) والحديث الأول تقدم بيان ضعفه عند تخريجه، والثاني لم أطلع على كلام لأهل العلم عليه، وكأنهم أخذوا ذلك من استقراء حاله - صلى الله عليه وسلم - وهذا ما يفهم من كلام ابن القيم - رحمه الله - حيث قال:"وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرج إليه وحده... فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم" (10) .
ثانيا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم:
(1) زاد المعاد 1/423 - 424.
(2) ينظر: المنتقى شرح الموطأ 1/189 ، والفواكه الدواني 1/313.
(3) ينظر: الحاوي 3/52 ، والمجموع 4/529 ، وروضة الطالبين 2/33 ، ومغني المحتاج 1/189.
(4) ينظر: الفروع 2/123 ، والإنصاف 2/416 ، وكشاف القناع 2/46.
(5) ينظر: المجموع 4/529 ، وروضة الطالبين 2/33.
(6) روضة الطالبين 2/33.
(7) تقدم تخريجه ص (206) .
(8) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب الإمام يجلس على المنبر حتى يفرغ المؤذن عن الأذان ثم يقوم فيخطب 3/205.
(9) ومن هؤلاء النفراوي في الفواكه الدواني 1/313 ، والنووي في المجحموع 4/529 ، وروضة الطالبين 2/33 ، والفروع 2/123 ، والإنصاف 2/416.
(10) زاد المعاد 1/429.