فهرس الكتاب
ما رواه ثعلبة (1) بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون (قال ثعلبة) :"جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد" (2) .
قال في المنتقى شرح الموطأ:"فإذا خرج عمر وجلس على المنبر"يقتضي استقراره للعمل وتتبعه الأخبار عند اتصال خروجه على الناس بارتقاء المنبر، ولا يفصل بينهما بركوع ولا غيره، وهذه السنة أن يدخل الإمام إلى المسجد فيرقى المنبر بإثر دخوله ولا يركع" (3) ."
ثالثا: من المعقول:
القياس على الحاج إذا دخل المسجد الحرام يريد الطواف، فتسقط تحية المسجد عن الخطيب بسبب الاشتغال بالخطبة كما تسقط في حق الحاج إذا دخل المسجد الحرام بسبب الطواف (4) .
دليل أصحاب القول الثالث:
لم أطلع على دليل لهم فيما بين يدي من كتبهم، والظاهر لهم يستدلون بعموم ما ورد من المسألة لتحية المسجد، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - { إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين } (5) (6)
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطيب لا يدخل في هذا"العموم بدليل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول."
الترجيح:
الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بعدم مشروعية تحية المسجد للخطيب يوم الجمعة إذا دخل للخطبة؛ لقوة ما استدلوا به.
المبحث الرابع
دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان
من الأمور التي لا تشرع قيام الخطيب بالدعاء عند صعود المنبر وقبل جلوسه للأذان، فهذا من البدع المحدثة التي تفعل في بعض البلدان.
وممن ذكرها من البدع الشافعية (7) والحنابلة (8) .
كما قال به شيخ الإسلام ابن تيمية (9) وتلميذه ابن القيم (10) .
جاء في الاختيارات:"ودعاء الإمام بعد صعوده المنبر لا أصل له" (11) .
الدليل:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يفعل ذلك.
قال ابن القيم:"وكان منبره ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناس أخذ المؤذن في الأذان فقط، ولم يقل شيئا قبله ولا بعده" (12) .
وقال في موضع آخر:"فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم، ولم يدع مستقبل القبلة، ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان" (13) .
وأوضح دليل اطلعت عليه على ذلك ما رواه ابن عمر -، رضي الله عنهما - قال: { كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ - أراه قال: المؤذن - ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب } (14) (15) .
إلا أن هذا الحديث فيه ضعف كما تقدم في تخريجه، ولعلهم أخذوا ما ذكروه من استقراء الأحاديث الواردة في خطبة الجمعة ومفهومها، والله أعلم.
المبحث الخامس
الخطبة من صحيفة
(1) هو ثعلبة بن أبي مالك القرظي المدني ، حليف الأنصار ، له رؤية ، قال أبو حاتم هو من التابعين ، وقال العجلي: تابعي ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات. (ينظر: طبقات ابن سعد 5/79 ، وتهذيب التهذيب 2/25) .
(2) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الجمعة - باب ما جاء في الإنصاب يوم الجمعة والإمام يخطب 1/103 ، الحديث رقم (7) ، واللفظ له ، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب 2/124 ، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب جلوس الناس حين يخرج الإمام 3/208 ، الأثر رقم (5352) ، وقال في المبدع 2/176:"بسند جيد".
(3) المنتقى شرح الموطأ 1/189.
(4) ينظر: المجموع 4/529.
(5) البخاري الجمعة (1114) ، مسلم صلاة المسافرين وقصرها (714) ، الترمذي الصلاة (316) ، النسائي المساجد (730) ، أبو داود الصلاة (467) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1013) ، أحمد (5/311) ، الدارمي الصلاة (1393) .
(6) أخرجه من حديث أبي قتادة البخاري في صحيحه في كتاب الكسوف - باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى 2/50.
(7) ينظر: المجموع 4/529 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/290.
(8) ينظر: الفروع 2/125 ، وكشاف القناع 2/37.
(9) الاختيارات ص (80) .
(10) زاد المعاد 1/189 ، 429.
(11) الاختيارات ص (80) .
(12) زاد المعاد 1/189.
(13) المرجع السابق 1/429.
(14) البخاري الجمعة (878) ، مسلم الجمعة (861) ، الترمذي الجمعة (506) ، النسائي الجمعة (1416) ، أبو داود الصلاة (1092) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1103) ، الدارمي الصلاة (1558) .
(15) سبق تخريجه ص (230) .