الصفحة 627 من 733

من المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب في الجمعة وغيرها من غير صحيفة، بل يخطب مباشرة، لأنه أمي، وهذا ما أفاده ظاهر الأحاديث، وكذلك الخلفاء ومن بعدهم، ولم يظهر تدوين الخطبة وقراءتها على الناس إلا بعدهم وفي القرون المتأخرة، وذلك لأسباب مختلفة ومتعددة منها قلة الجرأة، وقلة العلم، والرغبة في إتقان الخطبة وترتيبها على نسق معين، بل وصل الحال في بعض الفترات إلى عدم القدرة عند البعض على إعداد الخطبة والاستعانة بما جمع من الخطب في بعض الكتب.

وقد قال بعض فقهاء الحنابلة: إنه لا يشرع قراءة خطبة الجمعة من صحيفة إلا لمن لا يحسن الخطبة بدونها (1) .

الدليل:

القياس على القراءة في الصلاة، فهي تصح من المصحف على الصحيح من المذهب لمن لا يحسن القراءة عن ظهر قلب، فكذلك خطبة الجمعة (2) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، حيث إن أهم مانع من القراءة من المصحف لمن يحسن القراءة عن ظهر قلب في الصلاة هو ما يؤدي إليه من كثرة الحركة والانشغال، وهذا لا محذور فيه حال الخطبة، والله أعلم.

-والأظهر هنا أن الحاجة داعمة في أكثر الأحيان إلى الخطبة من صحيفة، لما في ذلك من إتقان للخطبة، وحسن ترتيب وتسلسل للمعلومات، وضبط لنصوص الكتاب والسنة التي تتضمنها الخطبة، وعدم تشعب الموضوع والخروج عنه، وضبط لمقدارها بحيث لا يسترسل الخطيب فيطيل ويترك السنة، كما أن في ذلك تقييدا لعواطف الخطيب التي قد تجره مع شدة الحماس أثناء الإلقاء إلى قول ما لا يناسب وما لا مصلحة في ذكره للسامعين، إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة، والله أعلم.

المبحث السادس

الكلام في الخطبة

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: حكم السلام في الخطبة.

المطلب الثاني: وقت المنع من الكلام في الخطبة.

المطلب الأول

حكم الكلام في الخطبة

وفيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: حكم كلام الخطيب.

المسألة الثانية: حكم كلام الحاضر للخطبة.

المسألة الثالثة: ما يستثنى من التحريم أو الكراهة عند من يقول بهما.

المسألة الأولى

حكم كلام الخطيب

اختلف الفقهاء في حكم كلام الخطيب في خطبة الجمعة بغير الخطبة، وذلك على قولين:

القول الأول: أن ذلك لا يجوز إلا لمصلحة، فيباح.

وبهذا قال المالكية (3) وبعض الشافعية (4) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (5) .

القول الثاني: أن ذلك يباح مطلقا.

وبهذا قال الشافعية في القول الصحيح عندهم، وعليه جمهورهم (6) وبعض الحنابلة (7) .

القول الثالث: أنه يكره إلا لمصلحة.

وبهذا قال الحنفية (8) وبعض الحنابلة (9) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

أولا: استدلوا على عدم الجواز إذا لم يكن هناك مصلحة بعموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام حال الخطبة والتي ستأتي، ومن أبرزها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: { إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت } (10) (11) .

وجه الدلالة: أنه إذا كان المستمع مأمورا بالإنصات للاستماع ويحرم عليه السلام فذلك الخطيب مأمور بمواصلة الخطبة إذا لم تكن هناك حاجة؛ لكيلا يفوت على المستمع فائدة الاستماع.

ثانيا: استدلوا على الإباحة عند الحاجة بما ورد من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لذلك، ومنه:

(1) ينظر: الفروع 2/117 ، والمبدع 2/161 ، ونقلا ذلك عن ابن عقيل ، وأبي المعالي ، وشرح منتهى الإرادات 1/299. وينظر أيضا: إرشادات لتحسين خطبة الجمعة ص (70) .

(2) ينظر: المرجع السابق.

(3) ينظر: الشرح الكبير للدردير 1/386 ، والشرح الصغير له 1/182.

(4) ينظر: المجموع 4/522 ، وروضة الطالبين 3/28.

(5) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/53 ، والمحرر 1/152 ، والمستوعب 3/42 ، والفروع 2/127 ، والإنصاف 2/417 ، والمبدع 2/176 ، وكشاف القناع 2/47.

(6) ينظر: المجموع 4/522 ، وروضة الطالبين 2/28.

(7) ينظر: المغني 3/196 ، والفروع 2/172 ، والمبدع 2/176.

(8) ينظر: بدائع الصنائع 1/265 ، والفتاوى الهندية 1/147.

(9) ينظر: الفروع 2/127 ، والمبدع 2/176.

(10) البخاري الجمعة (892) ، مسلم الجمعة (851) ، الترمذي الجمعة (512) ، النسائي الجمعة (1402) ، أبو داود الصلاة (1112) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1110) ، أحمد (2/272) ، مالك النداء للصلاة (232) ، الدارمي الصلاة (1548) .

(11) تقدم تخريجه ص (93) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت