فهرس الكتاب
والدلالة واضحة، والمُنْكَر عليه عثمان - رضي الله عنه - وبمحضر من الصحابة، ولم يُنْكِروا على عمر كلامه في الخطبة.
أدله أصحاب القول الثاني:
استدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول على الجواز عند الحاجة، وهي حديث جابر، وبريدة، وعبد الله بن بسر، وأثر عمر مع عثمان - رضي الله عنهم - وحملوها على الجواز للخطيب مطلقا.
مناقشة هذا الاستدلال: يناقش بأنها محمولة على الحاجة كما ذكر أصحاب القول الأول، وأيضا النووي في المجموع (1) ويؤيد ذلك أن المواقف التي تكلم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمر - رضي الله عنه - مواقف حاجة، فهي إما أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو شفقة على ضعيف، أو نحو ذلك.
أدلة أصحاب القول الثاني: أن خطبة الجمعة شرعت منظومة كالأذان، والكلام يقطع النظم إلا إذا كان الكلام أمرا بالمعروف فلا يكره (2) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنها إذا كانت كالأذان في أنها منظومة فإن الإسلام يفسدها، ولا يكون مكروها فقط.
كما استدلوا بالإباحة عند الحاجة بما استدل به أصحاب القول الأول عليها.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المطلب - والله أعلم بالصواب - القول الأول القائل بعدم جواز كلام الخطيب حال الخطبة بما ليس منها إلا عند الحاجة ولا سيما ما ورد فيه نص، لقوة ما استدلوا به، ووجاهته.
المسألة الثانية
حكم كلام الحاضر للخطبة
وفيها خمسة أمور:
الأمر الأول: حكم كلامه إذا كان يسمع الخطبة.
الأمر الثاني: حكم كلامه إذا كان لا يسمع الخطبة.
الأمر الثالث: حكم رد السلام وتشميت العاطس.
الأمر الرابع: حكم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الأمر الخامس: حكم التأمين على الدعاء.
الأمر الأول
حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان يسمعها
اختلف الفقهاء في حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان يسمعها، وذلك على قولين:
القول الأول: يحرم الكلام، ويجب الإنصات، وتباح مخاطبة الإمام لحاجة.
وبهذا قال الحنفية (3) والمالكية (4) وهو القول القديم للإمام الشافعي (5) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (6) .
وبه قال ابن حزم (7) .
القول الثاني: لا يحرم الكلام، ولكنه يستحب الإنصات.
وهو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح والمشهور عند أصحابه (8) ورواية عند الإمام أحمد (9) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
أولا: استدلوا على تحريم الكلام إذا لم يكن مخاطبة للإمام لحاجة بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
-فمن الكتاب: قول الله - تعالى: { - - - ( - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - - ( - ( - ( تمت - - عليه السلام - (( - ( ( - - - } - قرآن كريم (( ( - - رضي الله عنه - - ( - - - - ( (( مقدمة - - - قرآن كريم ( - (( الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -(10) .... الآية (11) .
فقد ورد عن بعض التابعين أنها نزلت في شأن الخطبة (12) وقد أمر بالاستماع والإنصات، ومطلق المسألة للوجوب (13) وذلك يقتضي تحريم الكلام.
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنها محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة، إن سلم بأن المراد الخطبة (14) .
الإجابة عن هذه المناقشة: يجاب بأن هذا الحمل مخالف لظاهر الآية المؤيدة بالأحاديث الآتية، والجمع بين الأحاديث يكون بإبقائها على ظاهر دلالتها وقصر ما ورد فيه الكلام على الحاجة حسب ما يدل عليه مضمونها.
(1) ينظر: المجموع 4/522.
(2) ينظر: المبسوط 2/27 ، وبدائع الصنائع 1/265.
(3) ينظر: المبسوط 2/128 ، وبدائع الصنائع 1/263 ، والفتاوى الهندية 1/147 ، وعبر بعضهم بالكراهة ، والظاهر أنه يقصدون كراهة التحريم.
(4) ينظر: الإشراف 1/132 ، والكافي لابن عبد البر 1/251 ، والبيان والتحصيل 1/385 ، والقوانين الفقهية ص (86) ، ومواهب الجليل 2/178.
(5) ينظر: الحاوي 3/41 ، وحلية العلماء 2/285 ، والمجموع 4/522 ، وروضة الطالبين 2/28 ، ومغني المحتاج 1/287.
(6) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/53 ، والمغني 3/153 ، والفروع 2/124 ، والمحرر 1/152 ، والإنصاف 2/417.
(7) ينظر: المحلى 5/61 - 62.
(8) ينظر: الحاوي 3/42 ، وحلية العلماء 2/285 ، والمجموع 4/522 ، وروضة الطالبين 2/28.
(9) ينظر: المغني 3/193 ، والفروع 2/125.
(10) سورة الأعراف آية: 204.
(11) سورة الأعراف ، جزء من الآية رقم (204) .
(12) ومنهم مجاهد وعطاء كما ذكر الطبراني في تفسيره 9/165.
(13) بدائع الصنائع 1/264.
(14) ينظر: المجموع 4/525 ، ومغني المحتاج 1/287.