وقد تقدم حديث عائشة - رضي الله عنها (1) . - الذي يعد أصلا في تحريم الابتداع.
المبحث الحادي عشر
المبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية وخفض الصوت بها
تقدم في السنن أن من سنن الخطبة أن يترسل فيها الخطيب ولا يعجل، وأن يرفع بها صوته قدر الإمكان، وذكرت الأدلة هناك (2) .
وبعض الخطباء يخالف هذا في الخطبة الثانية، فيسرع، ويخفض الصوت فيها، وقد ذكر بعض الفقهاء أن ذلك من البدع، فيحرم (3) .
قال النووي:"ويكره في الخطبة أمور ابتدعها الجهلة... ومنها: مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية" (4) .
وقال:"... ومنها مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية، وخفض الصوت بها" (5) .
وظاهر السياق أن المقصود بالكراهة كراهة التحريم.
الدليل:
ظاهر كلامهم الاستدلال بأن ذلك خلاف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي تقدم بيانه في السنن (6) وحكم الخطبتين واحد، بل قال بعض الفقهاء: إنه يسن رفع الصوت بالخطبة الثانية أكثر من الأولى (7) وهذا أيضا لا دليل عليه.
المبحث الثاني عشر
رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة
تقدم الكلام على الدعاء في خطبة الجمعة، وأن أقل الأقوال فيه السنية، وهو ما ظهر رجحانه (8) .
وقد اختلف الفقهاء في حكم رفع اليدين أثناء هذا الدعاء، وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مكروه في غير دعاء الاستسقاء، والمشروع الإشارة بالإصبع.
وهذا هو الصحيح من الوجهين عند الحنابلة (9) .
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حيث جاء في الاختيارات:"ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وهو أصح الوجهين لأصحابنا" (10) .
القول الثاني: أنه بدعة في غير دعاء الاستسقاء، والمشروع الإشارة بالإصبع.
وهذا منسوب إلى أكثر المالكية، والشافعية (11) وبه قال بعض الحنابلة (12) .
القول الثالث: أنه مباح مطلقا.
وهذا منسوب إلى بعض المالكية (13) وبه قال بعض الحنابلة (14) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
أولا: استدلوا على الكراهة في غير دعاء الاستسقاء ومشروعية الإشارة بالإصبع بما يلي:
1-ما روي عن عمارة بن رؤيبة - رضي الله عنه - { أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: (قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة } (15) (16) .
2-ما رواه سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: { ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاهرا يديه قط يدعو على منبره ولا على غيره، ولكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة، وعقد الوسطى والإبهام } (17) (18) .
قال في نيل الأوطار:"والحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء..." (19) وقال ابن القيم - رحمه الله - عن الإشارة بالإصبع:"وكان يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه" (20) .
ثانيا: واستدلوا على عدم الكراهة في دعاء الاستسقاء بما يلي:
(1) ص (362) .
(2) ص (245) .
(3) ينظر: المجموع 4/529 ، وروضة الطالبين 2/33 ، ومغني المحتاج 1/290 ، وتنبيه الغافلين ص (268) .
(4) روضة الطالبين 2/33.
(5) المجموع 4/529.
(6) ص (268) وما بعدها.
(7) ينظر ذلك في الفتاوى الهندية 1/147.
(8) ص (357) وما بعدها.
(9) ينظر: الفروع 2/119 ، والإنصاف 2/398 ، وكشاف القناع 2/37 ، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ص (80) .
(10) الاختيارات ص (80) .
(11) نسبه إليهم - أي إلى أكثر المالكية ، والشافعية - ابن مفلح في الفروع 2/119 ، والبهوتي في الكشاف 2/37 ، ونسب إليهم النووي في شرح صحيح مسلم 6/162 القول بأن السنة ألا يرفع اليد ، ولم يصرح بالبدعة.
(12) ومن أشهر من قال بذلك منهم المجد كما في الفروع 2/119 ، والإنصاف 2/398.
(13) نسبه إليهم النووي في شرح صحيح مسلم 6/162.
(14) ينظر: الفروع 2/119 ، والإنصاف 2/398.
(15) مسلم الجمعة (874) ، الترمذي الجمعة (515) ، النسائي الجمعة (1412) ، أبو داود الصلاة (1104) ، أحمد (4/261) ، الدارمي الصلاة (1560) .
(16) سبق تخريجه ص (363) .
(17) أبو داود الصلاة (1105) ، أحمد (5/337) .
(18) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب رفع اليدين على المنبر 1/289 ، الحديث رقم (1105) ، وقال الألباني في إرواء الغليل 3/77:"بإسناد حسن".
(19) ينظر: نيل الأوطار 3/271.
(20) زاد المعاد 1/428.