الصفحة 645 من 733

وقد ذكر بعض الفقهاء أن أول من قرأ ذلك عمر بن عبد العزيز (1) - رحمه الله - بدلا عما كان يختم به بنو أمية خطبتهم (2) .

وقال بعض الفقهاء: إن ذلك غير مشروع (3) بل عده البعض من البدع (4) وهذا فيه نظر.

الدليل:

أن عمل أهل المدينة على خلاف ذلك، فلا يشرع (5) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن عمل أهل المدينة ليس حجة تبنى عليه الأحكام على القول الراجح من قولي أهل العلم (6) فلا يصح الاحتجاج به.

كما يمكنهم الاستدلال لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يختم خطبته بالاستغفار كما تقدم في السنن (7) وممن ذكر ذلك ابن القيم - رحمه الله -.

-ومع ذلك فقد تناقل علماء الدعوة السلفية من آل الشيخ وتلامذتهم - رحم الله الجميع - في نجد الختم بذلك، ولا شك أن لهم مستندا فيه وإن كنتُ لم أطلع عليه رغم البحث الطويل، كما أن الآية تشتمل على أوامر ونواهي عظيمة تفيد السامعين، ولا أستطيع البت في المسألة بحكم؛ لعدم اطلاعي على دليل ظاهر، والله أعلم.

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده وأشكره على توفيقه في البدء والختام، وأصلي وأسلم على خير الأنام نبينا محمد وعلى آله وصحبه الكرام.

أما بعد، فلا يخفى أن كل باحث يطرق موضوعا لا بد أن يتوصل فيه إلى بعض النتائج، وقد توصلت في هذا البحث إلى نتائج كثيرة، منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، ومن أبرزها ما يلي:

أولا: من أبرز النتائج العامة:

1-أن أكثر الأدلة التي استدل بها الفقهاء على خطبة الجمعة وأحكامها أفعال مجردة، وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - المجردة لا تدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب كما هو معلوم في أصول الفقه، ولذلك ترجح في أكثر المسائل السنية، حتى فيما يعتبره كثير من الفقهاء شروطا وأركانا؛ لأن القول بالشرط والركن لا بد أن يعتمد على أدلة صحيحة وصريحة؛ لما يترتب عليه من بطلان الخطبة بفقده، وبطلان الصلاة بناء عليه؛ لأن الخطبة شرط لصحتها.

2-أن أعظم المقاصد الشرعية من خطبة الجمعة هو الوعظ والتذكير، بما فيه صلاح الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، فيجب أن تدور حوله الخطبة.

3-عند تطبيق هذه الأحكام على واقع كثير من الخطب اليوم يتضح وجود تقصير واضح، وسنن مهجورة، وأخطاء ظاهرة.

ثانيا: ومن أبرز النتائج الخاصة:

1-أن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة، وأن الشرط خطبتان، لا خطبة واحدة.

2-أنه يشترط لخطبة الجمعة: النية، وحضور جماعة يتحقق بهم المقصود من الوعظ والتذكير - وإن لم يكونوا بالعدد الذي تنعقد به الجمعة - للقدر الواجب من الخطبة، وأن تكون بعد دخول وقت الجمعة وهو زوال الشمس إن لم تكن حاجة في بعض الأحيان وإلا جازت في الساعة الخامسة أو السادسة، وأن تقدم على الصلاة، والقيام مع القدرة، والجهر بها، وأن تكون باللغة العربية للقادر عليها ما لم يكن السامعون جميعا غير عرب فتجزئ بلغتهم، والموالاة بين أجزائها، وبينها وبين الصلاة.

3-أنه ليس لخطبة الجمعة أركان معينة بعينها، بل تحصل بما يطلق عليه خطبة في العرف، ويحصل به مقصودها الشرعي وهو الوعظ والتذكير، فلا يعد الحمد لله، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقراءة شيء من القرآن أركانا، بل هي سنن، وأما الموعظة فهي ركن لكونها المقصود الشرعي الأعظم من الخطبة كما أسلفت.

وأقل مقدار لقراءة القرآن هو ما يستقل بمعنى، سواء كان آية أو أقل، ويباح قراءة ما فيه آية سجود في الخطبة.

كما يسن ترتيب الأمور الأربعة المتقدمة، وهي أركان في كل من الخطبتين عند من قال بركنيتها.

4-أنه لا يشترط لخطبة الجمعة الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، ولا ستر العورة وإزالة النجاسة، ولا الجلسة بين الخطبتين، بل يسن ذلك لها، ومقدار الجلسة بقدر قراءة سورة الإخلاص.

(1) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي ، أمير المؤمنين ، يكنى بأبي حفص ، ولي إمرة المدينة للوليد ، وكان مع سليمان كالوزير ، وولي الخلافة بعده ، وكان زاهدا عادلا ورعا ، مات في رجب سنة 101 هـ ، وله أربعون سنة. (ينظر: طبقات ابن سعد 5/330 ، وسير أعلام النبلاء 5/114) .

(2) وممن ذكره الصاوي في بلغة السالك 1/181.

(3) ينظر المرجع السابق.

(4) ومنهم الشقيري في السنن والمبتدعات ص (78) .

(5) ينظر: بلغة السالك 1/181.

(6) ينظر: أصول السرخسي 1/314 ، والإحكام للآمدي 1/243 ، والعدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى 4/1142 ، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب 3/273.

(7) ص (284) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت