ولو لم يكن العرف كذلك؛ لكان في قواعد الشريعة وعموماته ما يقضي بإيجاب الإرضاع على الأم؛ في مثل قول البارئ جلَّ وعلا: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة المائدة: 2] ، والأمر بالرحمة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من لا يَرحم لا يُرحم"متفق عليه (1) ، حتى سقطت عن المرضع فريضة الصوم وهي ركن في الإسلام إذا خافت على رضيعها، ومن ذلك: الحكم على من قتل ولده سفهًا بالخسران {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بغَيْرِ عِلْمٍ} [سورة الأنعام: 140] ، وحرمانه من الرضاع مع حاجته قتل له، ومن ذلك قول الله تعالى عمن سلكوا سقرَ: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [سورة المدثر: 44] ، وفيمن أوتي كتابه بشماله: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [سورة الحاقة: 34] ، وفيما ذم به الإنسان: {وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [سورة الفجر: 18] ، وفي المقابل وصف عباده الأبرار بأنهم {يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [سورة الإنسان: 8] ، والرضيع مسكين مستضعف، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من تمام الإيمان، فقال:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"متفق عليه (2) ، وعدم إرضاع المولود بما خلق الله في الثدي من الحليب لؤم ظاهر وشح مذموم؛ لأن الله تعالى إذا كان قد خلق في المولود لها لبنًا؛ فأي حكمة من إيجاده، وأي معنى من تكوينه؛ إن حرمت مولودها منه ولم تحفظ عليه نفسه بما أودع الله في صدرها؟ ، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [سورة المؤمنين: 14] . (3)
3 -إن في حبس الحليب في الثدي أضرارًا تتعدى إلى أم المولود؛ كتأخر انقباض رحمها وعودته سريعًا إلى حجمه الطبعي، وتعرضها للإصابة بسرطان الثدي والمبيض، وغير ذلك (4) ؛ مما يوجب عليها أن تدفعه عن نفسها بإرضاع مولودها؛ لأن الضرر يزال (5) .
(1) تقدم تخريجه في الفرع الثاني من المطلب الثالث للمبحث الأول في الفصل الأول.
(2) ينظر تخريجه في المطلب الثالث من المبحث الثاني ضمن هذا الفصل.
(3) ينظر: ابن جرير: المصدر السابق، (8/ 52، 23/ 239، 451، 543) . ابن حزم: المصدر السابق، (6/ 310، 10/ 434) .
(4) ينظر: د. جاسمية شمس الدين: المصدر السابق، (21/ 34) . صلاح عبد التواب: المصدر السابق، (ص 466) . د. عبلة الكحلاوي: المصدر السابق، (ص 89) . أ. د. محمد البار: المصدر السابق، (ص 80 - 84) . د. إسماعيل مرحبا: المصدر السابق، (ص 328 - 330) .
(5) ينظر: ابن نجيم: المصدر السابق، (ص 73 وما بعدها) .