فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 601

ويمكن أن يناقش هذا الدليل بما يأتي: أ- إن مقتضى حفظ المروؤة الذي جاءت به الشريعة جار على صيانة كرامة المسلم عن ابتذالها بالطلب من الغير، ولذلك شرعت مثل هذه الرخصة، وأباحوا التيمم إذا ترتب على حصول الماء منة تلحقه من صاحبه، وكذلك الشأن في الصلاة عريانًا مع ووجود من يعيره، وعدم وجوب الحج للفقير ولو وجد من يبذل له المال، ولم يبطلوا حق الشفعة لمن كان بعيدًا، فتأخر بقدومه مع علمه وإشهاده وإمكانه التوكيل؛ كل ذلك درءًا للمنة التابعة من الباذل أو الوكيل، وليس المقصود اتفاق الفقهاء على ما تقدم، بل دَرك مناط من قال بذلك، وقد كوَّن الله سبحانه الإنسانَ قتورًا، بحيث لو أملكَه خزائن رحمته لبخل ولم يجُد بها على غيره، وأمسك خشية الإنفاق (1) .

وبهذا يظهر تقررُ الرخصة للمرضع في الفطر بمحض الخوف على الرضيع، ولو كانت تطيق الصيام، كما تبين قوة قول القائلين بالقضاء والفدية مع وجاهته، وإن كانت الأدلة الشرعية وما تشهد له الأصول المرعية ليست مع إيجاب الفدية بمنزلتها مع وجوب القضاء، وعلى رأس ذلك قول الحق جل ذكره: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَامٍ أُخَرَ} [سورة البقرة: 185] ، مع عدم القائل بالنسخ فيها.

ولقائل أن يقول: إذا أوجبتم الفدية على المرضع إذا خافت على ولدها؛ فلماذا لا يُطرد هذا على المريض والمسافر الذي لا يجب عليه غير القضاء إذا أفطر في نهار رمضان، وقد اشتركوا مع المرضع في خاصية العذر؟ ولماذا يفرق بين المتماثلين والشريعة لا تفعل ذلك؟

فالجواب: إن المرضع لم يكن الداعي إلى فطرها عذر مختص بشخصها؛ بل بغيرها، وهو الرضيع، فافترقا، وإلى هذا يشير مالك ت 179 هـ في جوابه على من طلب الفرق بين المرضع والحامل: إن الحامل هي مريضة، والمرضع ليست بمريضة ا. هـ (2) ، كما فعل الشافعي ت 205 هـ حين قرر أن المرضع التي لا تقدر على الصوم تقضي بلا كفارة، وأن الكفارة وجبت على المرضع الخائفة على رضيعها حين كانت مطيقة للصوم، فأفطرت لغيرها، ثم أردف: فذلك

(1) ينظر: ابن جرير: المصدر السابق، (15/ 98 - 99) . ابن قدامة: الكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 230، 466، 2/ 234) .

(2) ينظر: سحنون: المصدر السابق، (1/ 210) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت