ولو كان الاشتغال بالجنس المباح يزري بمنصبه - عليه الصلاة والسلام - لم يتزوج إحدى عشرة امرأة غير الإماء، ولاكتفى بواحدة. وكيف يكون مزريًا بمنصبه وقد اعتبره - صلى الله عليه وسلم - عبادة يؤجر عليها الرجل؟ ففي الحديث الصحيح عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) (1) .
ومع ذلك فلم يكن الجنس كل همه - صلى الله عليه وسلم - ولا شغله الشاغل، ويدلُّ على ذلك:
1 -أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يجمع قبل الهجرة بين اثنتين من النساء قط.
2 -لم يتزوج - صلى الله عليه وسلم - بكرًا غير عائشة - رضي الله عنها -.
3 -لما غاضبنه أزواجه - رضي الله عنهن - بسبب النفقة آلى - صلى الله عليه وسلم - منهنَّ جميعًا، وحلف ألا يدخل عليهنَّ شهرًا (2) .
فلو كان ليس له - صلى الله عليه وسلم - همٌّ إلا الجنس لما استطاع أن يصبر عنهنَّ شهرًا كاملًا.
ولم يكن حبه - صلى الله عليه وسلم - للنساء يشغله عن واجباته وأعماله الدينية والدنيوية، فهذه عائشة - رضي الله عنها - تحدِّثنا عما كان يصنع في بيته لما سُلت عن ذلك، فعن الأسود قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) (3) ، يعني: ولم يلتفت إليهنَّ - رضي الله عنهن -.
فهل يجوز بعد هذا أن يتهم العلماء الربانيون والمحدِّثون الصادقون بأنهم ينسبون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - روايات غير صحيحة تصوّره أنه شهواني، شغله الشاغل وهمه الأكبر هو النساء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وزور وحوب كبير!
ثالثًا: أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ليس الصحابي الوحيد الذي روى طواف النبي - صلى الله عليه وسلم - على نسائه - رضي الله عنهن -، بل شاركه في ذلك:
1 -عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -، وهي واحدة ممن طاف عليهن - صلى الله عليه وسلم -.
2 -أبو رافع - رضي الله عنه - مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا ما كان يجهله صاحب الرسالة، أو أنه تجاهله عمدًا؛ ليُلبِّس على النَّاس ويقوِّي حجته، وحجته بحمد الله داحضة. وبيان ذلك في الآتي:
-أما حديث عائشة - رضي الله عنها - فأخرجه الشيخان عن محمد بن المنتشر قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا) (4) .
وفي رواية عنها - رضي الله عنها: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا) (5) .
-وأما حديث أبي رافع - رضي الله عنه - فأخرجه أبو داود عن أبي رافع - رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ) (6) .
وقال أبو داود عقب ذكره: «وحديث أنس أصح من هذا» (7) .
قلت: وهذه العبارة لا تعني ضعف الحديث عند العلماء، ولهذا سكت عليه ابن حجر لما ذكره في الفتح (8) ، مما يدلُّ على أن أقل درجاته عنده أنه حسن، كما هو معروف من منهجه.
وبهذا يتضح: عدم انفراد أنس - رضي الله عنه - بهذا الخبر، وأنه يمكن أن يكون تلقاه عن عائشة - رضي الله عنها - أو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه. ولا مانع من ذلك، ولا محظور فيه شرعًا؛ لأنه لا يدخل في مسمى الأسرار الزوجية التي يحرم إفشاؤها والتحدُّث بها، وقد دلَّت النصوص على أن ذكر الجماع بمجرده لا يعتبر سرًا من الأسرار الزوجية المنهي عن إفشائها، غير أنه لا ينبغي التحدث به إلا عند الحاجة، فقد جاء في الحديث عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: (إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ) (9) .
(1) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (2/ 697) ، رقم (1006) .
(2) عن أنس - رضي الله عنه - قال: (آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا) . صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها (3/ 135) ، رقم (2469) ، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} [التحريم:4] (2/ 1112) ، رقم (1479) .
(3) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج (1/ 136) ، رقم (676) .
(4) صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب (1/ 62) ، رقم (270) ، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (2/ 849) ، رقم (1192) .
(5) صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (1/ 62) ، رقم (267) ، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (2/ 849) ، رقم (1192) .
(6) مسند أحمد (39/ 288) ، رقم (23862) ، وسنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلًا (1/ 194) ، رقم (590) ، وسنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء لمن أراد أن يعود (1/ 56) ، رقم (219) . وقال الألباني: «حسن» . صحيح سنن ابن ماجة للألباني (1/ 182) ، رقم (486) .
(7) سنن أبي داود (1/ 56) .
(8) انظر: فتح الباري لابن حجر (1/ 376) .
(9) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (1/ 272) .