فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 406

وقوله تعالى: {تَصْطَلُونَ} تستدفئون؛ لأن الصَّلْيَ معناه: الاحتماء بالنار، فالاصْطِلَاء إذن الاحتماء بها، وهو الاسْتِدْفَاء، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي بَرْدٍ.

يقول المُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: [وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ] هَذِهِ عِلَّةٌ تصريفية، فتاء الافتعال هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْء، فالفعل (اصطلى) أصله (اصتلى) ، و {تَصْطَلُونَ} أصلها: (تصتلون) ، مِثل تبتغون، ولكن القاعدة التصريفية فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتْ تاء الافتعال بعد الصاد، فإنها تُقلب طاءً، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِن: صَليَ النارَ -بِكَسْرِ اللَّامِ وفتحها- كرَضِيَ، وكرَمَى، ففيها لُغَتان فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فقوله تعالى: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} [الليل: 15] ، مِنْ بَابِ رَضِيَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [الأعلى: 12] .

يَقُولُ اللَّهُ تعالى فِي سُورة أخرى: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه: 10] ، وَالْخَبَرُ أَعَمُّ مِنَ الْهُدَى، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْفِي هَذَا الشَّيْء، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وقُلنا: إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ السماء مُغِيمة، وَإِلَّا لَكَانَ يَعرف النجوم؛ لأنَّه راعٍ، وَقَدْ بَقِيَ ثمانيَ سنواتٍ، ويعرف غالب النجوم.

الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّهُ مَنْ تعهد بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا يشتغل بِغَيْرِهِ حَتَّى انتهائِه منه؛ لقوله: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} ، وهذه قاعدةٌ مهمة، إِذَا اشْتَغَلَ الإِنْسَان بِشَيْءٍ لَا يَنتقِلُ إِلَى غَيْرِهَ حتى يُتِمَّهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ، كانوا يبدءون بحفظ القُرْآن، فلا ينتقلون إِلَى غَيْرِهَ حتى يختموه، وهكذا.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد يُقدِّر لِلْمَرْءِ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا توصله إلى الكمال، ذَلِكَ أَنَّ رَعْي الغَنم فيه مصلحة لرعاية الْخَلْقِ فِيمَا بَعْدُ، ولهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت