موسى، لكنْ معه دليلان {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي: قومه، وفِرْعَونُ هو حاكِمُ مِصرَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ عَلَمُ جِنس لِكُلِّ مَنْ حَكَمَ مصر كافِرًا، فإنه يُسَمى فِرعون، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ الفُرْسَ كافرًا، فإنه يُسَمى كِسْرَى، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ الرُّوم كافرًا، فإنه يُسَمَّى قَيْصَر.
وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} الجملة تعليلٌ لمَا قَبْلَهَا، يعني: إننا أرسلناك بهاتين الآيتين إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؛ لأنَّهم {كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} ، والفِعل: {كَانُوا} مفصوُل الزَّمَن، مفصولة الدَّلالة عَنِ الزَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَا دَلَّ عَلَى ماضٍ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، فمعنى {كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} ، أي: مُتَّصِفِين بالفِسْق، فَاللَّهُ تعالى يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ دائمًا: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40] ، ويقول: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] ، إِلَى آخِرِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ الزَّمَنَ الماضيَ، بَلِ المُرَادُ أنه مُتَّصِفٌ بهذه الصفاتِ، لكنَّها قد تَدُلُّ عَلَى الزَّمَن الماضي بِقَرِينَةٍ غَيْرِ لَفْظِ الفِعل.
وقوله تعالى: {فَاسِقِينَ} قَدْ مَرَّ عَلَيْنَا أَنَّ الفِسق يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قِسمٌ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ، وهو فِسق الكُفر، ومثاله: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 18 - 19] .
الثَّاني: فِسقٌ مُخْرِجٌ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ، وَلَا يُخْرِجُ عَنِ الإِيمَان، وهو فِسق المعصية، ومثالُه قَولهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6] .