أَنَّهُ يُحاوِل أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ صَادِقٌ، فتكون قِرَاءَةُ الرَّفْعِ عَلَى سَبِيلِ السبب، وقراءة الجَزْم عَلَى سَبِيلِ النتيجة، فيكون هارون فاعلًا مُؤَثِّرًا.
قوله تعالى: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} ، الضَّمِيرُ فِي {يُكَذِّبُونِ} ، وهو الواو، يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: {فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} ، وقوله: {أَخَافُ} أي: أتوقَّع وأخشى، وليس خوفَ الرُّعب، ولكنَّه يتوقع ذلك ويخشاه، وقوله: {أَنْ يُكَذِّبُونِ} هَذِهِ النُّون الموجودة ليست نُون الأفعال الخمسة، وإلا لَحُذِفَت بَعْدَ (أَنْ) ، ولكنها نونُ الوِقاية، فأصل الفعل: يكذبونني. فحُذفت النون الأُولى للنصب، وبقيت النون الثَّانية المكسورة، وهي نون الوقاية، وحُذِفَت الياء تخفيفًا، ونظيره ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى فِي سُورَةِ الذَّارَياتِ: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ} [الذاريات: 59] ، فإذا وقفتَ عليها سكَّنْتَ.
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيان المِنَّة الكبرى مِنْ مُوسَى لِأَخِيهِ، حيث جعله اللَّهُ تعالى مرسلًا معه، ولهذا يقال: أعظمُ هَديةٍ أهداها خليلٌ لخليلِه هي التي كَانَتْ مِنْ مُوسَى لهارونَ؛ لِأَنَّهُ سَأَل اللَّهَ أَنْ يُرسله معه، والرِّسالَة مَقَامٌ عَظِيمٌ لَا يناله إلا الْخِيرَةُ مِنْ بَنِي آدَمَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لقوله: {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا} .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اتخاذُ الأعوانِ مِنْ أَسْبَابِ النجاة، وهذا أمرٌ مَعْلُومٌ مِنْ قديم الزَّمانِ وحديثِه، أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الإِنْسَان مَعَهُ مَنْ يُعِينه ويساعِده، كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى نجاحِه مِن انفراده، والعوامُّ يقولون: (يَدٌ وَاحِدَةٌ لَا تُصَفِّق) .