وعليه فتكون مِنْ هَذِهِ قاعدة: (كُلُّ مَنْ كَانَ للرسول أتبعَ كَانَ إِلَى النصر أقربَ، وكلُّ مَنْ كَانَ مِنَ اتِّبَاعِ الرَّسُول أبعدَ كَانَ عَنِ النصر أبعدَ) ؛ لِأَنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ فِي القَواعِد المُقَرَّرَة أَنَّ الحكْمَ إِذَا عُلِّقَ بوصفٍ كَانَ ثُبُوتُهُ قوةً وضَعفًا ووجودًا وعَدَمًا، بِحَسَبِ ذَلِكَ الْوَصْفِ.
فمثلًا يَقُولُ اللَّهُ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] ، فمَعِيَّتُه للصابرين تتغير قُوَّتُها وضعفُها حَسَبَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الصَّبْر، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} [النحل: 128] ، وجود المَعِيَّة للمتقين قُوَّةً وضَعْفًا بِحسَب تَقْوَاهُم، وهكذا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قوله: {أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} ، يستفاد مِنْهُ أَنَّ أَتْباعَ الرُّسُلِ غالبون لمِن خالَفُوا الرُّسل دائمًا وأبدًا، قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"نُصِرتُ بالرُّعْب مَسِيرَةَ شَهْرٍ" (1) .
اللَّهُ أَكْبَرُ! ما أعظمَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ لو أنَّنا كُنَّا عَلَى المستوى الَّذِي يَنْبَغِي، فلو كُنَّا مُتَّبعين لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى وَجْهِ الحقيقة، لكان عدوُّنا مَرْعُوبًا مِنَّا مَسِيرَةَ شَهْرٍ، لكنَنا -مع الأسف الشديد- لَمْ نكن مُتَّبِعِين للرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حقيقة، وَلذَلِكَ صَارَ بأسُنا بيننا، لَا مَنْ يَدَّعِي الإِسْلام مِنَّا، وَلَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْزَوِيَ تحت قاعدة الجاهِلية، وهي القوميةُ العربيةُ، فَإِنَّ هَذِهِ القومية ما انتصرت مُنْذ نشأت إِلَى الْيَوْمِ، ولن تنتصرَ أبدًا، بَلْ لَا تَزْدَادُ إلَّا فشلًا وتفَرُّقًا وتصدُّعًا وقتالًا فِيمَا بَيْنَهَا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَقِيقَةِ ما اجتمعْنا على قوميَّةٍ إسلاميةٍ، فيبقى المُسْلِمُونَ لَا عَلَى هَذَا، وَلَا عَلَى هَذَا، ولهذا مَا كَانَ لَنَا النصرُ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(1) أخرجه البخاري: كتاب التيمم، بابٌ، رقم (335) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، رقم (521) .