فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 864

وأما الصورة الثانية للوحى: فهى أن يأتى الملك للنبى صلّى الله عليه وسلم في صورة رجل، فيكلمه بالوحى، كما قال النبى صلّى الله عليه وسلم- في تتمة حديث البخارى الذى أوردنا صدره في بيان الصورة الأولى-: «وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى، فأعي ما يقول» ولقد رأيته ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقا!!. وقد زاد أبو عوانة في صحيحه: «وهو أهونه علىّ» . كما ذكر في «الإتقان» .

وفى توضيح تمثّل الملك النبى صلّى الله عليه وسلم رجلا.

قال إمام الحرمين: معناه: أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعد.

وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى:

إن ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتى هو جبريل بشكله الأصلى، إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك: عاد إلى هيئته.

ثم قال الحافظ ابن حجر معقّبا: والحق أن تمثيل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا:

أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائى فقط. والله أعلم [42] .

ونستحضر هنا: أن النفث في الروع يحتمل أن يكون مع هذه الحالة أيضا كما تقدم.

والصورة الثالثة: هى المقابلة للثانية- وهى أن ينخلع النبى صلّى الله عليه وسلم عن صورته البشرية، ويدخل في الصورة الملكية بتمكين الله- تعالى- له ذلك، ويتلقى الوحى من الملك. وهذه- كما ذكر العلماء- أصعب الحالتين [43] .

ثم الصورة الرابعة: أن يوحي رب العزة إلى النبى صلّى الله عليه وسلم في المنام بلا واسطة، كما جاء في سنن الترمذي مرفوعا: «أتانى الليلة ربى تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ .... » [44] الحديث.

ومما يجب التنبيه إليه هنا أن الحق- تعالى- منزه عن الصورة الحسية، فإذا رئى- سبحانه- على وصف يتعالى عنه كان لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما نقل الحافظ ابن حجر عن الواسطى: أن من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرأى، وغير ذلك [45] .

والصورة الخامسة: أن يأتى ملك الوحى جبريل إلى النبى صلّى الله عليه وسلم في النوم فيوحى إليه بما أمره الله تعالى به. وقد عدّ بعض العلماء من هذا القبيل سورة (الكوثر) ، بيد أن التحقيق أنها نزلت في اليقظة [46] ، كما سيأتى في تناول الوحى القرآنى في محله.

والصورة السادسة: أن يأتى الملك

(42) انظر (فتح البارى) لابن حجر 1/ 85، 17 ط/ الهيئة المصرية.

(43) انظر (الإتقان) للإمام السيوطى بتحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم 1/ 125، ط/ المشهد الحسينى.

(44) انظر (عمدة القارى) للإمام العينى 1/ 44، ط/ الحلبى، الأولى 1392 هـ- 1972 م.

(45) انظر (فتح البارى) لابن حجر العسقلانى 12/ 336، ط/ الهيئة المصرية.

(46) انظر (الإتقان) للحافظ السيوطى بتحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم 1/ 129، ط/ المشهد الحسينى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت