فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن اللَّه - تعالى - قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [1] ، وإن هذا من الجاهلين، واللَّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافا عند كتاب اللَّه [2] .
وهذا الرجل قد جفا عمر أمير المؤمنين بعدة أمور تثير الغضب، وتجعله عرضة للانتقام والتأديب.
أول هذه الأمور: قوله: هي يا ابن الخطاب، ولم يقل: يا أمير المؤمنين.
والثاني: قوله: واللَّه ما تعطينا الجزل، يعني العطاء الكثير.
والثالث: وهو أقبح الأمور الثلاثة، قوله: ولا تحكم بيننا بالعدل.
ومع هذا كله حلم عنه عمر وعفا عنه، وصفح عندما سمع الآية، وسمع قول الحر: إن هذا من الجاهلين، ووقف عند الآية، ولم
يعمل بغير ما دلت عليه، بل عمل بمقتضاها، - رضي الله عنه - وأرضاه [3] ، وهذا يدل على كمال حلمه وحكمته التي استفادها من هدي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فرسخت في ذهنه حتى كانت هيئة راسخة ثابتة في نفسه
(1) سورة الأعراف، الآية: 199.
(2) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الأعراف، باب: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ، 8/ 304، (رقم 4642) .
(3) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 13/ 259، 8/ 305، 13/ 250.