وقد تُليِّن قلب القاسي، وتقوِّي قلب الضعيف، ومن زادته التجارب عمىً إلى عماه، فهو من الحمقى الذين قد طبع اللَّه على قلوبهم، فهم لا يفقهون [1] .
وأعظم الناس تجربة، وأكملهم حكمةً: الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم صفوة البشر اصطفاهم اللَّه ورباهم، ثم أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومع هذا ما بعث اللَّه من نبي إلا رعى الغنم، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( ما بعث اللَّه نبيًّا إلا رعى الغنم ) )، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: (( نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ) ) [2] .
وفي رواية: قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: (( وهل من نبي إلا وقد رعاها؟ ) ) [3] .
والحكمة من ذلك - واللَّه أعلم - أن اللَّه - عز وجل - يلهم الأنبياء قبل النبوة رعي الغنم؛ ليحصل لهم التمرين والتجربة برعيها على ما يُكلَّفُونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يُحصِّل لهم
(1) انظر: هكذا علمتني الحياة، القسم الأول، للدكتور مصطفى السباعي، ص47.
(2) البخاري مع الفتح، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط، 4/ 441، (رقم 2262) .
(3) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب يعكفون على أصنام لهم، 6/ 438 (رقم 6406) ، وكتاب الأطعمة، باب الكباث 9/ 575 (رقم 5453) ، ومسلم في كتاب الأشربة، باب فضيلة الأسود من الكباث، 3/ 1621، (رقم 2050) ، وهو النضيج من ثمر الأراك، انظر: شرح النووي، 14/ 6.