ثم من شأن هذا المجتمع المختلط، أن تنشأ فيه غريزة جديدة في الجنسين، وهي الظهور بأبهى مظاهر الزينة، وأشدها اجتذابًا للجنس الآخر، ولم يعد التزيد من أسباب الزينة، والتجمل شيئًا ينكر ويعاب، بسبب تبدل النظريات الخلقية، بل أصبح التبرج السافر، والأخذ بكل أسباب الفتنة، والاستهواء، أمرًا مرغوبًا فيه، ولا يقف هذا الافتتان بإبداء الزينة والجمال عند حد، بل يتجاوز الحدود كلها واحدًا بعد الآخر حتى ينتهي أمره إلى آخر غايات التعري المشين.
إن الإسلام الحكيم كان يدرك خطر ونتائج الجنس غير المنظم على الحياة والفرد والأمة كلها، حين اشتد غاية الشدة في أمره، فسنّ التشريعات الوقائية، ووضع التحفظات الكثيرة، التي تمنع انطلاق الجنس من عقاله بلا قيود، فعني بتقوية الخشية من الله في الإنسان، وبترسيخ فطرة الحياء فيه، لتكون سياجًا داخليًا، وشرع الحجاب للمرأة لتستر مفاتنها عن الأجانب، والاستئذان عند دخول البيت، وأمر بغض البصر من كل من الرجل والمرأة، ومنع الاختلاط والخلوة بين الرجل والمرأة، وحظر سفر المرأة بدون محرم لها، ثم وضع الحدود الزاجرة والرادعة لمن تخطى هذه الحواجز والموانع، وارتكب المحظور.
كل هذه الحواجز والموانع والسدود المتعددة والمتنوعة، وضعها الإسلام في طريق الجنس الجامح، والشهوة البهيمية الفوضوية، وغير المشروعة، وما ذاك إلا لإدراك الإسلام لمخاطرها وعواقبها الوخيمة على الفرد والأمة.
ولقد دلت الوقائع والأحداث، أنه ما سرى هذا الداء - داء الجنس العارم - في مفاصل أمة إلا أوردها موارد التلف والفناء، قال الله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا) ، ذلك بأنه يقتل في الإنسان كل ما آتاه الله من القوى العقلية، والجسدية، لبقائه وتقدمه في هذه الحياة،