ومع ذلك فإن الطلاق لا يتم إلا بعد إجراءات معقدة، وتستغرق وقتًا طويلًا، ونفقات باهظة، لا يتحملها إلا ذوو الثروة، ولهذا تهيَّب الناس الطلاق، وكثر لذلك - في معظم البلاد الغربية - اتخاذ الأزواج للخليلات، واتخاذ الزوجات للأخلاء، وهجر الأزواج والزوجات منزل الزوجية، كما كثر فرار الأزواج مع عشيقاتهم، والزوجات مع عشاقهن، وأصبحت هذه الأمور وما إليها في كثير من بلاد أوربا وأمريكا شيئًا عاديًا، وأصبحت الأسرة شيئًا لا قيمة له، كما أن صلة الأبناء بآبائهم أصبحت موضع الشك وموطن الارتياب.
وقد يقول قائل منهم: إن الإسلام قد أخذ بنظام التحكيم وفيه يتولى الحكمان التحقيق في أسباب الخلاف، وسماع تلك الأسباب من الزوجين، ويصدران حكمهما بالطلاق إن رأيا المصلحة في ذلك، وهذا مماثل لما ننادي به.
ونقول لهم: إن الإسلام قد قرر نظام التحكيم بين الزوجين فيما يشجر بينهما من خلاف، ولكنه قرره في صورة كريمة نبيلة لا تنطوي على تلك المساوئ التي يسببها تولي القاضي التطليق، فقد قرر الإسلام أن يتألف مجلس التحكيم من حكمين: حكم من أهل الزوجة، وحكم من أهل الزوج، أي رجلين لا يرى كلا الزوجين غضاضة في الإفضاء إليهما بما في نفسيهما، وبأسباب شقاقهما، والحكمان من جهة أخرى لا يقلان عن الزوجين في حرصهما على كتمان كل ما يسيء إلى سمعة الأسرة المتخاصمة، وعدم إذاعته بين الناس، لأن كل ما يسئ إلى سمعة هذه الأسرة يسئ إلى سمعة الحكمين نفسيهما، لارتباطهما بهذه الأسرة برابطة القرابة.
ففرق بين هذا وبين ما يحدث في المحاكم، إذ يتم ذلك على رؤوس الأشهاد علنًا، ويعلمه موظفو المحكمة ويسجل في سجلاتها.