الصفحة 10 من 28

6 -الأمانة:

يعتز الكاتب بكتابه اعتزازا بالغا قد يوازي اعتزازه بولده أو يزيد، لأن ولد امتداد له إلى عدة عقود من الزمان بينما كتابه امتداد خالد له (ونعني بالخلود هنا مفهومه الأرضي أي البقاء الطويل) والإنسان بطبعه مفطور على حب البقاء، وما أهرام مصر. . وما تحنيط جثة لنين الملحد إلا شاهد صدق على هذا.

فالمؤلف عندما ينهي كتابه ويضع فيه أعز ما عند الإنسان - فكره - إنما يتركه أمانة في أعناق الأجيال، وهو لا يرضى بتغييره أو تحويره، وقد نبه بعضهم في أواخر كتبهم على هذا ولعنوا من بدل أو غير في مؤلفاتهم.

وما أسوأ ما صنع ناسخ لكتاب مسند، حذف أسانيده، ولو وصلنا مسندا لاختلف شأنه في العلم والفكر.

فجنى ناسخه جناية علمية كبرى في إغفاله الأمانة عند نسخه إياه، وأفقد الأمة الإسلامية بهذا الاغفال درة يتيمة من درر تراثها.

والمحقق مكلف بهذه الأمانة، واجب عليه رعايتها، محرم عليه خيانتها، فإن قام بواجبه فبها ونعمت، وإن خان فإن حساب الله شديد.

وإذن فليس للمحقق أن يبدل أو ينقص أو يزيد في الكتاب الذي يحققه، فإن أوجب البحث أن يفعل شيئا من هذا فعليه أن يشير إلى ما أصلح أو زاد أو نقص، بحيث يتميز عمله وعمل صاحب الأصل.

لكنا - مع شديد الأسف - نجد في كثير من المطبوعات التي كتب عليها أنها من تحقيق فلان. . زيادة ونقصا وتبديلا وتغييرا عما رسمه المؤلف لغايات أقل ما يقال فيها إنها خيانة علمية.

ثم ليعلم المحقق أن باب العصبية المذهبية والتحزب الأعمى أوسع الأبواب التي يؤتى منها المحقق، ومثله باب الجهل وعدم الدليل. . وإلا فما على المحقق إن كان نص المؤلف لا يوافق هواه أن يثبته في مكانه ثم يعلق عليه في الهامش.

وقد رأينا من المطبوعات المحرقة كثيرا من هذا النوع مما يفقد القارئ الثقة بها وبالقائمين عليها، ويجعله يفضل الطبعات الحجرية بل النسخ المخطوطة على كثير من المطبوعات المحققة الأنيقة!

ولا يظنن متصد لتراثنا أن القراء بتلك المنزلة من الجهل، فقد رأيت أشخاصا لا يحملون شهادة قديمة ولا حديثه، بل يعدون في عداد العامة زيا ومعيشة، لكنهم - يشهد الله - على درجة من الفهم والتتبع والإحاطة دونها كثيرون من حملة أرقى الشهادات الجامعية.

وأمة بني دينها على العلم لا يتوهمن أحد أن تخلو من العلماء.

نعم. . يستثنى من ذلك الخطأ الواضح المقطوع به، أو الزيادة الموضحة لمراد المؤلف. . فليس على المحقق حرج أن يصلح هذا الخطأ أو يزيد هذه الكلمة، بشرط تمييزها عن عمل المؤلف، وبشرط إحراز رضا المؤلف، وهذا الاحراز له دلائل تدل عليه، ولأ ذكر مثالا على ذلك:

لو أن محققا اشتغل في كتاب مؤلفه نحوي معروف ورأى فيه خطأ من الأخطاء النحوية المقطوع بخطئها، والتي من مذهب المؤلف تخطئتها، ولم يأت به المؤلف هنا للاستشهاد على مذهب يخالفه. . فإننا هنا نقطع بأن هذا الخطأ طارئ على النسخة وأن المؤلف يرضى بإصلاحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت