بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ونبيه محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وبعد،،
فهذه ومضات في فن التحقيق مما وفق الله لمعرفته من خلال ممارسة هذا الفن.
التحقيق لغة: التصديق، وإثبات الحق، والرصانة، والتزيين، وإحكام الشئ وصحته [1] .
وهو - كما ترى - فيه ما ينطبق على الفن المعروف حاليا بهذا الاسم.
فالتحقيق: إحكام النصوص، والتثبت من صحتها، وتزيينها بما يفك مغلقها، ويوضح غامضها، ويضئ معالمها. . . وهو - بعد - فن يستلزم الرصانة، وإثبات الحق من النصوص ونفي غيره.
لكن سلفنا لم يستعملوا هذه الكلمة للدلالة عليه، بل استعملوا بدلها كلمة (التحرير) ؛ جاء في القاموس المحيط وغيره: تحرير الكتاب: خلوصه وتقويمه [2] ، وقال أبو بكر الصولي في (أدب الكتاب) : تحرير الكتاب خلوصه، كأنه خلص من النسخ التي حرر عليها وصفا عن كدرها [3] .
وعلى أي حال فقد شاعت - في هذه الأزمنة - لفظة التحقيق وذاعت، وأصبحت مصطلحا ينصرف الذهن عند ذكرها إلى ما نحن بصدده، ومعلوم أن لا مشاحة في الاصطلاح.
هذا بعض ما يتعلق باللفظ لغة ...
التحقيق اصطلاحًا:
وقد اختلف المعنيون بالمراد من التحقيق:
فمنهم من اقتصر على أنه ضبط النص فحسب.
ومنهم من زاد عليه توضيح الغوامض، وتخريج النصوص من مصادرها، وصنع الفهارس، ومتابعة الكتاب تصحيحا وتنقيحا حتى يخرج من المطبعة ويصل إلى يد القارئ.
ومنهم من زاد - على هذا كله - متابعة المحقق لكتابه بعد الطبعة الأولى صقلا وتجميلا وتهذيبا.
والجميع مصيبون، وكل منهم عبر عن رؤية خاصة.
والحق أن للتحقيق درجات: أولها ضبط النص ... ثم يرتقي المحقق صعدا في سلم هذا الفن.
أما التخريج، وتوضيح الغوامض، وصنع الفهارس، ومتابعة الكتاب .... فهي من لوازم التحقيق ومكملاته.
ولا تظن أن ضبط النص أمر هين، فهو من أعضل المعضلات، ودون الوصول إليه خرط القتاد ... فهو يتطلب من المحقق موسوعية تراثية، وسليقة لغوية، ودقة ملاحظة، وفضل ذكاء، وحافظة سليمة، وذوقا جميلا، وصبرا وجلدا.
وقديما قال الجاحظ:"ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام" [4] .
وقيل: تأليف كتاب أهون من إصلاحه.
وبكلمة مختصرة: التحقيق هو فن إحياء الكتاب المخطوط.
والحياة - كما هو معلوم - درجات بعضها أعلى من بعض؛ فحياة مريضة عاجزة، وحياة سليمة تتمتع بالصحة والعافية، وحياة فيها - مع هذا - رواء وجمال.
[1] انظر لسان العرب (حقق) . معجم مقاييس اللغة (حق) .
[2] القاموس المحيط (حرر) .
[3] أدب الكتاب: 26.
[4] الحيوان للجاحظ 1/ 75.