وهذه سمة يقتضيها الابداع في كل علم، والتقدم والتجديد في كل فن، وكل مبدع في تاريخ البشرية لم يكن ليبدع في فنه لولا صفات منها: الذكاء ودقة الملاحظة؛ بل لولاها لما زاد العارف بعلم من العلوم أن يكون نسخة مكرورة من أستاذه بل نسخة من الكتاب الذي قرأه، وقد قيل لأحد العلماء: إن فلانا قد حفظ الكتاب الفلاني، فقال: زادت في البلد نسخة.
هذه الملاحظة الدقيقة شرط ضروري في فننا الذي نحن بصدده، لأن رسم الخط العربي متشابه الصور متقارب الأشكال، ومعاني الألفاظ في العربية متقاربة، لأن هذه اللغة الكريمة لغة اشتقاقية تجمع كل أسرة من الألفاظ آصرة واحدة ومعنى عام تشتق منه المعاني الفرعية، التي هي قريب من قريب.
فإن لم يكن المحقق دقيق الملاحظة اشتبه عليه - مثلا - (كتب) من الكتابة المعروفة و (كتب القربة) أي خاطها بسير من جلد، وربما صحح الثانية بما يحلو له من لفظ بناء على أنها خطأ، وهي - في الحقيقة - ليست خطأ إلا في ذهنه وحده.
وتصحيح التصحيف - في الغالب - يعتمد على هذه الصفة في المحقق، ولا يظن أن المحقق يحتاج هذه الصفة في تصحيح التصحيف فحسب، بل هو محتاجها في أغلب أعماله، فأسماء الرجال، وواقع الحياة في كل عصر، وظروف النص الذي يحققه ما ظهر منها وما خفي، تحتاج إلى هذه الدقة في الملاحظة لكي لا يتسرب الخطأ من باب من أبواب الغفلة، أو ثغر من ثغور الذهول.