الصفحة 9 من 28

5 -الصبر والأناة:

المخطوطات بما رافقها من ظروف سيئة في الغالب، وبطول الزمن الذي يغير الأحوال ويفعل فعله في الحجر الصلد، وببعد العهد الذي تغمض معه الواضحات، وتنبهم السبل. .

والمحقق إنما هو مجدد لشباب الكتاب وراجع به إلى ما كان عليه كما أخرجه مؤلفه أو قريب منه.

هذه الأمور - وغيرها - تقتضي من المحقق الصبر والجلد في معالجة مخطوطة أحال خطها القدم، وتنقص من حبرها وورقها بعد العهد واعتورها من عوامل الطبيعة وفعل الإنسان - مالكا ووارثا وقارئا - ما غير صورتها وأبهم واضحها.

فعلى المحقق أن يكون على ذكر من أن الحبر كثيرا ما ينصل، وأن الأيدي التي ملكت المخطوطة كثيرا ما تتدخل فيما يظنه فاعله إصلاحا وهو عين الافساد، وأن الجلد ربما تهرأ فجدده مجلد غير عارف بالكتاب فغير من ترتيب أوراقه - خصوصا والكثير من المخطوطات خال من أرقام الصفحات معتمد نظام التعليقة الذي كثيرا ما يوهم، وبعضها خال حتى من هذا النظام - وأن. . وأن. . مضافا إلى ولع العثة بالكتب، وفعل الرطوبة والجو فيها.

فما يسع المحقق - والحالة هذه - إلا أن يعتد بالصبر في مواجهة هذه المشكلات، ليخرج منها سالما من تطرق الأوهام. . إلا أوهاما هي من طبيعة الإنسان.

إما إن ضجر المحقق فقد فقد أقوى جننه. . ولا يأمل أن يخرج كتابا أحسن من نسخة مخطوطة كغيرها من المخطوطات.

ولا يخفى أن من ملازمات الصبر الأناة، لأن العجلة مظنة السهو والوهم، وليجرب المحقق نسخ المخطوط الذي يبغي تحقيقه - والنسخ مرحلة يسرع فيها المحقق بطبعه لأن التدقيق والتنقير سيأتي بعدها - ولينظر في مرحلة المقابلة - التي تأتي بعد النسخ - ليرى كم سقط من قلمه من كلمات وكم زاد من عنده!

ولئن تسومح بالسرعة في مرحلة النسخ، فلا يمكن أن يتسامح بها في مرحلة الضبط. .

وما يضير المحقق أن يصرف من وقته ساعات - بل أياما - منقبا في بطون الكتب مراجعا للعارفين بالفن. . لضبط مشكل أو تصحيح تصحيف أو إيضاح غامض.

وما أشبه عمل المحقق المتأني باللؤلؤة الطبيعية في جوف المحارة تستوي كما أراد لها الله تعالى، ثم تكون زينة تزري بالألوف من لؤلؤ الصناعة السريع إنتاجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت