الحياة الجافة مملة مصروفة عنها الأنظار، والحياة العلمية مع ما فيها من لذات عقلية ومتع روحية، قد يعرض لها ما يسمها بسمة الجفاف. . لذلك نرى أسلوب التدريس يختلف من أستاذ إلى آخر، فهذا أستاذ يتشوق الطلبة لحضور درسه ويأسون لفوات محاضرة من محاضراته. . وما هذا إلا لذوق منه جميل يصب به الدرس في قالب من الإلقاء والتفهيم مشوق.
والكتاب الفلاني غرة في كتب التفسير - مثلا - لكن إخراجه الطباعي وتوزيع فقراته صارف للقارئ عن اجتناء يانع ثمراته، واجتلاء عرائس أفكاره.
والكتاب الاسلامي التراثي لم يخرج إلى الناس - في الأعم الأغلب - بالصورة التي تجذب القارئ وتستهوي المطالع، إلا أفرادا قد لا تتجاوز عدد الأصابع. . ومر بنظرك على المتون العظيمة والشروح الجليلة؛ فلم تجد إلا شاكيا يتلو
شاكيا من الإهمال وقلة العناية. . بل عدمها.
والمحقق الذواقة يستطيع أن يخرج لنا من هذه الدرر الغوالي غررا في جبين الدهر، وينبوعا رقراقا فيه الري والرواء.
والذوق الجميل هو الذي يفعل بهذه الكتب فعل الجوهري الصناع الذي يجعل من حجر كريم - وهو كبقية الأحجار في شكله - زينة لا تقدر بثمن.
فتوزيع فقرات الكتاب، وتفصيل أبوابه، وترقيم أحاديثه، وشرح غامضه، وتنظيم إحالاته، والإبداع في تنويع فهارسه، التي تجعل مطالب الكتاب من القارئ على طرف الثمام، ثم اختيار الحرف الطباعي الجميل والورق المناسب.
هذه الأمور - مجتمعة - تجعل الكتاب يضئ بعضه بعضا.