بعد أن انتهى المحقق من اختيار الكتاب وجمع نسخه - وهي الآن غالبا مصورات - وفحصها وعين منها لعمله ما عين، عليه أن يختار نسخة منها فيقرأها قراءة دقيقة فاحصة ليتمرس بأسلوب المؤلف ويطلع على خصائص كتابته.
ثم تبدأ مرحلة من أدق مراحل التحقيق وأشدها تعبا، وهي مرحلة نسخ الكتاب بخط يده.
وقد شاع - في هذه الأواخر - كتابة النسخة بواسطة الآلة الكاتبة، وهي طريقة فيها من المحاذير ما لا نطيل بذكره. . . اللهم إلا أن يكون الكاتب بالآلة محققا ضابطا عارفا وقادرا يطمأن إلى عمله.
يختار المحقق أسلم النسخ التي جمعها فينسخها بيده بخط واضح متباعد ما بين السطور فصيح الحروف بحيث يستطيع أن يدخل كلمة في السطر إن احتاج إلى إدخالها في مرحلة المقابلة.
وعند انتهاء النسخ يكون المحقق قد ازداد خبرة بكتابه ومراسا بخطه واطلاعا على مطالبه.
ثم تقابل هذه النسخة على أصلها الذي انتسخت عنه ليستدرك ما فوته سهو
النظر أو سهو الفكر.
ثم تقابل النسخ المخطوطة الأخرى - واحدة بعد واحدة - على هذه النسخة الجديدة، ويسجل المحقق ما يجده من الفروق بين النسخ في الهوامش.
والأولى أن تكون المقابلة بيد اثنين، يقرأ القارئ في النسخة المخطوطة وينظر المقابل في النسخة المنسوخة.
ثم يبدأ المحقق بالتدقيق والتنقير في نسخته - مع الرجوع إلى النسخ المخطوطة أحيانا - فيخرج ما يحتاج إلى تخريج من حديث أو قول أو شعر، ويصحح ما تصحف على النساخ، ويعلق التعليقات التي توضح غامض الكتاب أو تفسر مشكله أو. . . بل يشمل بتعليقه كل ما يزيد الكتاب وضوحا أو تقوية لمطالبه، أو مناقشة لبعض ما يرد فيه مما جاء العلم فيه بجديد.
هذه النسخة هي مسودة المحقق التي يحتاجها إلى التبييض والترتيب ليدفع بها إلى المطبعة.
وفي عملية التبييض يجب أن يكون المحقق دقيقا في النسخ واضح الخط فصيحه مرتب الكتابة. وفي هذا الدور يكون تقطيع النص إلى فقرات، وفيه توضع علامات الترقيم الحديثة من فاصلة وعلامة تعجب و. . . وفيه - أيضا - يرتب الهامش مناسبا للمتن. وينبغي أن تلاحظ دقة الأرقام (الحسابية) التي تربط المتن بالهامش.