وهنا يأتي دور فحص النسخ لاعتماد ما يجب الاعتماد عليه منها وإهمال ما ينبغي إهماله.
وهذا الدور من أهم أدوار هذا الفن، لأن نتيجة التحقيق وثمرة جهد المحقق مبنيتان عليه.
وقد اعتورت مخطوطاتنا ظروف كانت حسنة حينا سيئة أحيانا كثيرة.
وتداولتها - بعد أيدي النساخ - أيد كانت في الغالب غير أمينة:
فمن متولي وقف حسن له الشيطان وألجأه فقر المجتمع المتخلف إلى بيع ما تحت يده، فمزق الورقة الأولى ليضيع أثر الوقف، ففوت علينا معرفة عنوان الكتاب واسم مؤلفه وفوائد أخر.
ومن متعصب ضيق الأفق ساءه أن يرى لعالم من غير أهل نحلته أثرا، فعدا عليه تمزيقا أو شطبا أو محوا أو تحريفا لما لا يروقه ... ومن وارث جاهل صار ما وصل من ذخيرة الأمة إليه لعبة لأطفاله، مبذولا لكل من هب ودب من معارفه.
ومن .. ومن .. دع عنك عاديات الطبيعة في النسخ نفسه من سهو وسبق قلم أو نظر .. وعاديات الطبيعة على الكتاب نفسه - ورقا وحبرا - من رطوبة وحشرات لها بالورق المكتوب ولع غريب.
وليس معنى هذا إنكار ما لبعض الأيدي - متولية وقف أو وارثة - من الأمانة والحيطة على الكتاب.
وليس هو كذلك إنكار فضل أولئك النساخ العارفين الضابطين، فأنت تقرأ في ترجمة ياقوت المستعصمي - الخطاط المعروف - أنه كان مولعا بنسخ نهج البلاغة بخطه المضبوط الجميل.
وتقرأ في تراجم كثير من العلماء أنه كان يكتب خطا فصيحا صحيحا.
هذه النوائب التي حلت بالكتاب - وغيرها كثير - توجب على المحقق أن يكون مدققا منقبا حذرا، ينفض النسخة وجها لبطن، عند فحصه لها.
وليعلم أن للنسخ التي وصلت إلينا حالات غريبة منها:
1 -أن تكون النسخة كاملة سالمة واضحة الخط فصيحته جميلته، بخط مؤلفها أو خط معتمد موثوق به، أو تكون منقوطة مشكولة شكلا كاملا على الصحة، أو تحتوي - من الصور أو الرسوم البيانية أو غير ذلك - ما يضن به على الضياع.
فالأولى طباعة هذه النسخة بالتصوير، كي لا ندخل عليها من سهو القلم وأخطاء التطبيع ما يشوه جمالها ويذهب بصحتها.
ولا يعتذرن - هنا - بصعوبة الحرف المخطوط، فإنه أمر مبالغ فيه، والمطلعون يعلمون أن في تراثنا مخطوطات رائعة الجمال تزري بالخط الطباعي مهما بلغ من الجمال والنظافة، لأن الخط الطباعي خط ميت سطرته آلة ميتة، وخط اليد يستمد حياته من اليد التي كتبته.
والعمل الذي يقوم به المحقق في هذه النسخة:
أ - أن يقدم لها مقدمة وافية في ترجمة المؤلف ووصف النسخة وتوثيق نسبتها وبيان أهميتها.
ب - أن يذيلها بهوامش التحقيق الكافية، وبالفهارس التي توصل القارئ إلى مطالبها [1] .
[1] انظر في هذا الباب: في منهج تحقيق المخطوطات - مطاع الطرابيشي - ص 68 - 72.