قد تتبادر إلى ذهن القارئ غرابة هذا العنوان، ولعله يقول: وأي عارف بالألفباء العربية - من عربي أو مستعرب - لا يحسن قراءة الخط العربي؟
ولكن. .
الخط العربي بتشابه صور حروفه، ودقة الفرق بينها، وبجريانها في يد الكاتب على صور مختلفة مشتبهة. . . كثيرا ما تحتمل في القراءة عدة ألفاظ.
أضف إلى هذا عجلة الناسخ أو جهله، والسهو والنسيان اللذين لا يخلو منهما إلا من عصم الله. . ولسبق القلم وسبق النظر حصة كبيرة في هذا الباب.
ولا تنس سقم الأصل المنقول عنه، وعجلة المؤلف أو الناسخ، وقد رأيت من خطوط العلماء نسخ من كتب خالية من النقط متصلة الكتابة كلمة بكلمة، تصعب قراءتها ولا يستطيعها إلا الحذاق. ومثلها في تراثنا كثير.
لهذه الأسباب - مجتمعة - ولغيرها مما طوينا ذكره، يكون تمكن المحقق من قراءة الخط العربي عدة يعتد بها لمواجهة هذه المشكلات التي هي في تراثنا المخطوط السمة الغالبة ولها منه الحصة الوافرة.
وعندي أن لطالب التحقيق أن يمتحن نفسه بقراءة الخطوط اليدوية الشائعة، فإنها أول الطريق وقراءة الكتب المحققة جيدا وملاحظة هوامشها، لأن محققي التراث الضابطين يستدلون لقرائتهم في الهوامش - غالبا - بأدلة تفتح الذهن وترسخ الملكة.
وقراءة مقالات النقود والردود التي يعقب بها بعضهم على بعض، ومظنتها المجلات المتخصصة كمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، ومجلة الأستاذ العراقية ... وأمثالها.
فإن في هذين الموردين من لطائف التصحيح، ودقائق التصحيف الشئ الكثير.
ومعرفة التصحيف فن جليل عظيم الخطر، إنما ينهض بحمل أعبائه الحذاق من العلماء الحفاظ والنقاد من الكبراء المتبصرين
فمن أقسامه:
محسوس لفظي: وهو واقع في مواد الألفاظ وجواهر الحروف وصورها الوزنية و كيفياتها الإعرابية وحركاتها اللازمة.
وهذا التصحيف المحسوس اللفظي:
-إما من تصحيف البصر كجرير وحريز.
-وإما من تصحيف السمع ك (استأى لها) أي استاء و (استآلها) أي أولها - من التأويل -.
وقد تحدث الدكتور مصطفى جواد في تحقيقه لكتاب"تكملة إكمال الاكمال"لابن الصابوني، عن هذا الأمر بما يفيد الطالب، ولا يحضرني الكتاب لأدل على مكانه فيه.
وقد كسر علماؤنا السابقون كتبا برأسها لهذا الفن، منها:
شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، المشتهر باسم التصحيف والتحريف، للحسن بن عبد الله العسكري (293 - 382 ه) .
ودرة الغواص في أوهام الخواص، للقاسم بن علي الحريري (446 - 516 هـ) .
وذكر عبد القادر البغدادي (1030 - 1093 هـ) في مقدمة"خزانة الأدب"من كتب هذا الفن سبعة كتب تحت عنوان (ما يتعلق بأغلاط اللغويين) [أنظر خزانة الأدب 1/ 11 ط. بولاق 1299 هـ] .
وأفرد له صاحب"كشف الظنون"عنوانا وعده علما، وكذلك فعل المولى عصام في"مفتاح السعادة ومصباح السيادة".
ومما شاع على ألسنتهم في العصر الأول:"لا تأخذ العلم عن صحفي"يعنون به من يأخذ علمه من الكتب لا من أفواه الشيوخ، لأن الكتب مظنة التصحيف والتحريف.
* وفي هذا الباب من الطرائف والمضحكات الشئ الكثير.
وبالجملة لاغنى لطالب التحقيق عن معرفة فن التصحيف والاطلاع على ما كتب فيه.
وأدل القارئ على قائمة مفيدة في (تحقيق النصوص ونشرها) لعبد السلام هارون، من أرادها فليراجعها.
وقد كشفت لي متابعة سنين طوال لهذا الأمر أن كثيرا من أوهام المحققين - كبارا وناشئين - علتها عدم إجادة قراءة الخط العربي. .