الإسلام السمح السهل، دين الفطرة ومنهج الإنسانية المتساوية التي تجمعها العبودية لله تعالى، وهذا الدين العظيم من كريم أخلاقه التواضع، والتواضع حاجة من حاجات المحقق كي تنمو خبرته، ويتسع اطلاعه وتزيد معلوماته، فإن العلم كله في العالم كله، كما يقولون؛ فما على طالب المعرفة الحقة أن يستفيدها من أي إنسان صدرت، وما عليه أن يقول لما يجهله: لا أدري!
والمحقق بتواضعه المراد منه، يفتح لنفسه الطريق في تصحيح الخطأ وتقويم الوهم الذي لا يخلو منه أحد إلا من عصم الله.
وهو بتواضعه هذا يضيف خبرات إلى خبرته، وجهود أعمار إلى جهده.
فما عليه أن يستفيد من عارف بتاريخ الخط وكيفياته، أو مطلع على أماكن المخطوطات ومظانها، أو ناطق فصيح بلغة القرآن ولو كان بدويا أميا.
ولأذكر مثالا على ذلك:
جاء في ديوان الشريف المرتضى الذي حققه رشيد الصفار وقدم له محمد رضا الشبيبي وراجعه وترجم لأعلام الديوان وصحح بعض ألفاظه الدكتور مصطفى جواد، وقد رمز لحواشيه بـ (م. ج) .
جاء في الصفحة الثانية والثلاثين من الجزء الأول قول الشريف:
وإلى فخار الملك أصدرها ... كلما تسير بذكرها الكتب
وبها على أكوار ناجية ... نص المنازل عني الركب
وعلق عليها بما بلي:
في الأصل نطس الجنادل، والذي أثبتناه أقرب من الأصل، فإنه يقال: نصصت فلانا: إذا استقصيت مسألته عن الشئ حتى تستخرج ما عنده، فالركب قد نص أهل المنازل عن الكلمة (م. ج) .
والصحيح أن معنى هذه الكلمة المناسب لموقعها هنا قد أغفلته معاجم اللغة - في حدود اطلاعي - ولكنه لا يزال حيا شائعا في لهجة الجزيرة العربية وما والاها من بادية العراق والشام، بتغيير بسيط في اللفظ حيث يلفظونها (نصا) فتسأل الرجل الغريب: أناص أنت أحدا أم لا؟ فيجيبك: أنا ناص فلانا، أي قاصد.
هذا المعنى من النص أي القصد، قد أغفله ما اطلعت عليه من المعاجم وهو المراد في بيت الشريف، فإن الشريف قد كتب القصيدة بعد نظمها وأرسلها إلى ممدوحه، ولم يحملها إليه بيده.
فالركب (أي حامل القصيدة) قد نص منازل الممدوح (أي قصدها) نيابة عن الشريف.
وليس هنا استقصاء في المسألة .. ! كما جاء في التعليق.
هذا التصحيح للفظة في ديوان شاعر من عظماء شعراء المسلمين، وتفسيرها بالمعنى المناسب الملائم، واستدراك هذا المعنى على معاجم اللغة، هذه الأمور الثلاثة استفدتها من بدوي أمي لا يقرأ ولا يكتب.
فالتواضع والاستعانة بالعارفين شرط من أمات الشروط المطلوبة في المشتغل بتحقيق التراث.
وليس المراد من التواضع والاستعانة هنا ميوعة الشخصية، أو الاتكالية أو التطفل أو. . .، بل هو التواضع الكريم والاستعانة التي هي من أهم مقومات هذا الإنسان الضعيف.