ومما ورثناه - أيضا - ما كتبه المنحرفون والضالون وأعداء الإسلام، ممن اجتالته شياطين الإنس والجن، وأمراض النفس، ومتع الحياة الدنيئة.
ومما ورثناه - كذلك - هذا الركام الغث الفاسد المفسد من أدب عبيد السلاطين من الشعراء، وشعرهم الذي قصروه على مدح الطاغوت والضحك على ذقنه، واستولوا به على أموال الأمة يتناهبونه بينهم.
انظر إلى الشاعر المتملق يقول وقد حدثت بمصر زلزلة:
بالحاكم العدل أضحى الدين معتليا ... نجل الهدى وسليل السادة الصلحا
ما زلزلت مصر من كيد يراد بها ... وإنما رقصت من عدله فرحا
انظر كيف يسقط الإنسان، وتداس الضمائر، ويرقص على أشلاء المستضعفين؟ .. فالشاعر هنا لم يكتف بمدح طاغوته حتى صور الزلزلة المدمرة بصورة الرقص الخليع الذي اعتاده المترفون.
ولم يلتفت إلى المستضعفين الذين هدمت دورهم على رؤوسهم وأصبحوا بلا مأوى!
ومن هذه البابة تجد مؤرخي السلاطين ووعاظ السلاطين وفقهاء السلاطين ... إلى آخر القائمة المشؤومة.
هذا الركام الغث لطخة عارفي تاريخنا الثقافي .. لا أظن المحقق المسلم ينحط إلى أن يشغل به نفسه ويضيع به عمره.
وتراثنا طيب مبارك، شمل مختلف حقول المعرفة، ولم يقتصر على فرع من فروعها.
فكم هي الفائدة التي يسديها المحقق إلى أمته يختار كتابا من طبنا القديم، فيخرجه إلى الناس سليما مفسرا موضحة عبائره! عقاقيره من إنتاج بلادنا ... إن لم تنفع الجسم لم تضره، لا كالأدوية المجلوبة من مغرب شمس الفضيلة، التي يصح فيها قول الشاعر:
*وداوني بالتي كانت هي الداء*
وفي تراثنا الطبي الكثير الطيب، وأود أن يعلم أطباؤنا الفضلاء أن للمعاجم الطبية - التي تصف العقاقير وتذكر مقاديرها عند التركيب - ركنا كبيرا في مكتبتنا الإسلامية.
وما أظن مريض الطب الغربي الحالي أحسن حالا من مريض الرازي أو ابن سينا.
وقد عادت الصين إلى الوخز بالإبر - طبها القديم - تدرسه وتطبقه في المستشفيات.
وقبلها الهند أدخلت طبها القديم مادة دراسية في جامعاتها، ومادة تطبيقية في مستشفياتها.
وقل مثل ذلك في علوم الفلاحة والبيطرة وغيرها.
ونستغني بذلك عن استيراد فسائل النخيل من أمريكا إلى بلاد النخيل!
خلاصة الأمر أن حسن الاختيار - بل الاجتهاد في الاختيار - هنا واجب عيني لا رخصة فيه.