فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 83

لقلَّة رحمته به، وإن ظنَّ أنه يرحمه، ويرفِّهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل، كرحمة بعض الأُمَّهات.

ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له، وامتحانه، ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته من رحمته به، لكن العبد لجهله وظلمه يتَّهم ربَّه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه تعالى إليه بابتلائه وامتحانه.

فمن رحمته سبحانه بعباده: ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي رحمة وحمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، فهو الغني الحميد، ولا بخلًا منه عليهم بما نهاهم عنه، فهو الجوَّاد الكريم.

ومن رحمته أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلاَّ يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا ويرغبوا في النعيم المقيم في داره، وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان فمنعهم ليُعطيهم، وابتلاهم ليُعافيهم، وأماتهم ليُحييهم.

ومن رحمته بهم: أن حذَّرهم نفسه، لئلاَّ يغترُّوا به، يعاملوه بما لا تحسن معاملته به، كما قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] .

قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد، حذَّرهم من نفسه لئلاَّ يغتروا به [1] .

(1) إغاثة اللهفان (2/ 169 - 175) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت