الحوت في ظلمات ثلاث، ووجدها موسى عليه السلام في اليم وهو طفل مُجرَّد من كل قوة، ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدوٌّ له، متربص به ويبحث عنه، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف، حين افتقدوها في القصور والدور فقال بعضهم لبعض: {فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الكهف: 16] ووجدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار، والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار .. ووجدها كل من آوى إليها يأسًا من كل ما سواها، منقطعًا عن كل شبهة في قوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصدًا باب الله وحده دون الأبواب.
ثم إنه متى فتح الله أبواب رحمته فلا مُمسك لها، ومتى أمسكها فلا مُرسل لها ومن ثَمَّ فلا مخافة من أحد، ولا رجاء في أحد، ولا مخافة من شيء، ولا رجاء في شيء، ولا خوف من فوت وسيلة، ولا رجاء مع وسيلة، إنما هي مشيئة الله، ما يفتح الله فلا مُمسك، وما يمسك فلا مُرسل، والأمر مباشرة إلى الله .. وهو العزيز الحكيم، يقدر بلا مُعقِِّب على الإرسال والإمساك، ويُرسل ويُمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك، قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2] .
وما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرة منه، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام قال تعالى: {وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2] .